الشرق الأوسط على حافة الانفجار: من الصراع الإيراني- الصهيوأمريكي إلى تهديد النظام العالمي وسلاسل الطاقة

“الحرب استمرارٌ للسياسة بوسائل أخرى.”

كارل فون كلاوزفيتز، عن الحرب (On War).

كيف تحوّل الصراع بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل إلى صراع تتجاوز أبعاده حدود الشرق الأوسط ليأخذ طابع أزمة دولية مفتوحة؟ وأي معنى يكتسب الموقع الجيوسياسي لإيران في قلب طرق الطاقة والتجارة العالمية، خصوصًا سيطرتها على مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية؟ وكيف يمكن لحدث صادم مثل اغتيال شخصية محورية كالمرشد الأعلى علي الخامنئي أن يعيد رسم موازين القوة في المنطقة ويطلق سلسلة من الردود الاستراتيجية المتبادلة؟ ثم إلى أي حد يمكن أن يتوسع هذا الصراع مع احتمال دخول قوى كبرى مثل الصين وروسيا بحكم مصالحهما الاقتصادية والاستراتيجية في الشرق الأوسط؟ وهل يقود اضطراب الأمن في الخليج إلى اهتزاز سلاسل التوريد العالمية وارتفاع أسعار الطاقة في الاقتصادات الصناعية الكبرى، أم أن النظام الدولي يقف أمام لحظة تاريخية تعيد تشكيل توازناته وتدفع العالم نحو مرحلة جديدة تتقدم فيها ملامح التعددية القطبية؟

تتحرك الحروب الكبرى في التاريخ داخل فضاءات جغرافية محددة تتحول مع الزمن إلى عقد استراتيجية يتقاطع عندها الاقتصاد والطاقة والسياسة العالمية. في قلب هذا المشهد تقف إيران، بوصفها إحدى أهم العقد الجيوسياسية في أوراسيا، حيث تتداخل حدود الشرق الأوسط مع آسيا الوسطى والقوقاز وشبه القارة الهندية. هذا الموقع جعلها منذ قرون محورًا لصراعات القوى الكبرى، من الإمبراطوريات القديمة إلى التنافس الحديث بين الولايات المتحدة والقوى الآسيوية الصاعدة. في هذا الصدد، كتب الجغرافي البريطاني هالفورد ماكندر في نظريته الشهيرة حول “قلب العالم”: «من يحكم أوراسيا يسيطر على مصير العالم» (Democratic Ideals and Reality). هذه الرؤية تساعد على فهم مكانة إيران في المعادلة الجيوسياسية المعاصرة، حيث تتحول الجغرافيا إلى قدر سياسي يفرض على الدولة دورًا يتجاوز حدودها الوطنية.

تمتلك إيران أحد أكثر المواقع الاستراتيجية تعقيدًا في العالم. حيث تمتد حدودها على مساحة واسعة تربط الخليج العربي ببحر قزوين، وتفتح على ممرات برية نحو آسيا الوسطى وأفغانستان وباكستان وتركيا والعراق. هذه الجغرافيا جعلت البلاد عقدة رئيسية في مشروع الصين المعروف بمبادرة الحزام والطريق، حيث تمر عبر الأراضي الإيرانية مسارات برية تربط شرق آسيا بالشرق الأوسط وأوروبا. وترى بكين في طهران شريكًا استراتيجيًا يسمح بتجاوز الاختناقات البحرية التي تسيطر عليها الأساطيل الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. في هذا الإطار، قال الرئيس الصيني شي جين بينغ في خطاب إطلاق المبادرة سنة 2013: «طرق الحرير الجديدة تهدف إلى بناء شبكة من الترابط الاقتصادي العابر للقارات». هذا الترابط يمنح إيران قيمة استراتيجية تتجاوز بعدها الإقليمي، ويضعها في قلب إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.

إلى جانب الموقع الجغرافي، تمتلك إيران ثروات طبيعية ضخمة تجعلها أحد أهم اللاعبين في سوق الطاقة العالمية. تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن إيران تمتلك رابع أكبر احتياطي نفطي في العالم وثاني أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي. هذه الموارد تمنحها قدرة على التأثير في أسواق الطاقة وفي التوازنات السياسية المرتبطة بها. عبر مضيق هرمز الذي تشرف عليه إيران تمر نسبة تقارب خمس التجارة العالمية من النفط، وهي نقطة اختناق استراتيجية يعرفها العسكريون باسم نقطة الاختناق Chokepoint. هذا الممر الضيق يجعل أي صراع مع إيران ذا آثار عالمية فورية. إذ يقول المؤرخ الاقتصادي دانييل يرغن في كتابه “الجائزة: ملحمة البحث عن النفط والمال والسلطة”: «النفط ظل منذ قرن القوة الخفية التي تحرك السياسة الدولية» (The Prize: The Epic Quest for Oil, Money, and Power).

في هذا السياق المتوتر جاء اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي ليشكل نقطة تحول خطيرة في الصراع بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. حيث أن عمليات الاغتيال السياسية التي تستهدف رأس النظام السياسي تحمل في العادة دلالات تتجاوز البعد العسكري المباشر، إذ تتحول إلى إعلان حرب وجودية يفتح الباب أمام ردود فعل غير قابلة للضبط. في الفكر الاستراتيجي الكلاسيكي يصف الجنرال والمؤرخ الحربي البروسي كارل فون كلاوزفيتز الحرب بأنها «استمرار للسياسة بوسائل أخرى» (On War). وعليه، فاغتيال قائد أعلى لدولة ذات سيادة يرفع الصراع من مستوى الردع والضغط إلى مستوى المواجهة المفتوحة، حيث تتغير قواعد اللعبة بالكامل.

إقرأ المزيد:  غزوة أحد: النصر والتمكين يبدأ من الداخل

علاوة على ذلك، فالقرار الذي أدى إلى اغتيال خامنئي يعكس في نظر العديد من المحللين خطأ استراتيجيًا بالغ الخطورة. لأن الدولة الإيرانية قامت تاريخيًا على بنية مؤسساتية معقدة تجمع بين الشرعية الدينية والبيروقراطية العسكرية والأمنية. وبالتالي، فاستهداف رأس الهرم يؤدي غالبًا إلى تعبئة قومية داخلية بدل إضعاف النظام. ويقدم التاريخ شواهد عديدة على هذا النمط، حيث تتحول الضربات الخارجية إلى عامل تماسك داخلي. في هذا السياق، يقول المفكر الأمريكي هانز مورغنثاو: «السياسة الدولية صراع دائم على القوة في ظل بيئة يغيب عنها الحكم المركزي» (Politics Among Nations). ضمن هذا المنطق، أي هجوم مباشر على القيادة الإيرانية يفتح المجال أمام تصعيد واسع النطاق.

كما أن داخل الولايات المتحدة نفسها أثار الانخراط في هذا الصراع نقاشًا سياسيًا حادًا حول حدود المصالح الأمريكية. حيث أن العلاقة الخاصة بين واشنطن وتل أبيب أدت في كثير من الأحيان إلى تداخل الحسابات الاستراتيجية بين الطرفين. ويرى عدد من الباحثين في العلاقات الدولية أن إسرائيل نجحت تاريخيًا في دفع الولايات المتحدة نحو مواجهات إقليمية تخدم رؤيتها الأمنية. وقد قال الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور في مذكراته: «الشرق الأوسط يظل أحد أكثر المناطق تعقيدًا في العالم، حيث تتشابك المصالح الاستراتيجية مع الحسابات الأيديولوجية» (Mandate for Change). في هذا السياق يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه أمام ضغوط سياسية وأمنية تدفع نحو المواجهة حتى عندما تكون كلفتها الاقتصادية والسياسية مرتفعة.

إن الحرب مع إيران تحمل تكلفة مالية هائلة على الاقتصاد الأمريكي. لأن الحروب الحديثة أصبحت مشاريع مكلفة تدفع ثمنها المجتمعات عبر الضرائب والديون العامة. وتجربة العراق وأفغانستان تقدم مثالًا واضحًا على ذلك، حيث بلغت كلفة الحروب الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تريليونات الدولارات وفق دراسات جامعة براون. هذه الكلفة المالية تتحول إلى عبء طويل الأمد على الاقتصاد، وهو ما يعيد طرح سؤال الجدوى الاستراتيجية لهذه الصراعات.

في المقابل، تتحول دول الخليج إلى ساحة مواجهة مباشرة مع إيران. لأن القواعد العسكرية الأمريكية والبنية التحتية النفطية في المنطقة تصبح أهدافًا محتملة للهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة. وهكذا، يأخذ الصراع طابع حرب غير متماثلة، حيث تستخدم إيران شبكات حلفائها الإقليميين وأدواتها العسكرية غير التقليدية لإرباك خصومها. هذا النمط من الحروب يعكس تحولًا في طبيعة الصراع المعاصر، حيث تتداخل الجبهات العسكرية مع الفضاءات السيبرانية والاقتصادية.

لكن السؤال الأكبر يتعلق بإمكانية تحول هذا الصراع إلى حرب عالمية أوسع، لأن الشرق الأوسط ظل عبر القرن العشرين أحد أهم مسارح التنافس بين القوى الكبرى بسبب الطاقة والموقع الجغرافي. وبالتالي، فدخول أطراف مثل روسيا أو الصين بشكل مباشر أو غير مباشر في الصراع سيؤدي إلى تعقيد المشهد أكثر. لأن بكين تعتمد بشكل كبير على واردات النفط القادمة من الخليج وإيران، وموسكو ترى في أي مواجهة واسعة فرصة لإعادة ترتيب ميزان القوى العالمي. كتب بول كينيدي في كتابه “صعود وسقوط القوى العظمى”: «توازن القوى العالمي يتغير عندما تتقاطع المصالح الاقتصادية مع القدرات العسكرية» (The Rise and Fall of the Great Powers).

ومن ثمة، فانعكاسات الحرب على الاقتصاد العالمي قد تكون عميقة، خصوصًا في ما يتعلق بسلاسل التوريد والطاقة. لأن مضيق هرمز يمثل شريانًا حيويًا يمر عبره نحو 20 في المئة من تجارة النفط العالمية. وأي اضطراب في هذا الممر يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتعطيل حركة التجارة الدولية. كما أن الاقتصاد العالمي المعاصر قائم على شبكات إمداد معقدة تعتمد على الاستقرار الجيوسياسي. لذلك فإن أي صراع واسع في الخليج يمكن أن يمتد أثره إلى المصانع في آسيا والأسواق في أوروبا والموانئ في إفريقيا.

يبين التاريخ أن الحروب الكبرى تنفجر غالبًا عندما تتراكم الأخطاء الاستراتيجية وسوء التقدير بين القوى المتنافسة. فاغتيال قائد سياسي بحجم المرشد الأعلى الإيراني يمثل لحظة تصعيد تحمل في طياتها احتمالات متعددة، من حرب إقليمية طويلة إلى مواجهة دولية أوسع. وعليه، فإن العالم يقف في لحظة انتقالية حيث تتغير موازين القوة ويظهر نظام دولي جديد لم تتضح معالمه بعد. وفي مثل هذه اللحظات تصبح القرارات العسكرية أكثر خطورة، لأن آثارها تمتد عبر الجغرافيا والاقتصاد والسياسة العالمية.

إقرأ المزيد:  في الحاجة إلى فلسفة التاريخ في عصر التحولات الكبرى

وقد كشفت هذه الأزمة عن مجموعة من الدروس العميقة التي تتجاوز حدود الصراع المباشر بين الدول، لتطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين. أول هذه الدروس أن الاغتيالات السياسية التي تستهدف قيادات عليا داخل الدول تحمل دائمًا خطر تحويل الصراع من مستوى الردع غير المباشر إلى مستوى المواجهة المفتوحة. والتاريخ السياسي الحديث يبيّن أن اغتيال القيادات غالبًا ما يفتح مسارات تصعيد غير محسوبة؛ فقد أشار المؤرخ البريطاني ألان جون بيرسيفال تايلور في كتابه “أصول الحرب العالمية الثانية” إلى أن القرارات السياسية المتسرعة في لحظات التوتر كثيرًا ما تخلق سلسلة من ردود الفعل المتتابعة التي تتجاوز نية الفاعلين الأصليين.

أما الدرس الثاني فيرتبط بالجغرافيا السياسية للطاقة. لأن منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز تمثل عقدة مركزية في الاقتصاد العالمي، حيث يمر عبر هذا المضيق ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية. وهكذا، فأي اضطراب طويل في هذه المنطقة يخلق موجات صدمة في الأسواق العالمية، تمتد آثارها إلى أسعار الطاقة، وسلاسل التوريد، ومستويات التضخم في الاقتصاد العالمي. في هذا السياق، يصبح الصراع الإقليمي مسألة عالمية بحكم الترابط الاقتصادي. في هذا الصدد، يقول المفكر الجيوسياسي هالفورد ماكندر أن الجغرافيا تمنح بعض المناطق قدرة على التأثير في مصير العالم، وكلما تمركزت الموارد والطاقة في مساحة محددة أصبحت تلك المساحة نقطة ارتكاز للصراع الدولي.

والدرس الثالث يتعلق بطبيعة التحالفات الدولية. فالحروب الحديثة نادرًا ما تبقى محصورة بين طرفين، إذ تتداخل فيها مصالح قوى كبرى مثل الصين وروسيا، خاصة عندما ترتبط تلك القوى بمشاريع اقتصادية واستراتيجية كبرى في المنطقة، مثل مشروع مبادرة الحزام والطريق Belt and Road Initiative الذي يمر جزء مهم من مساراته عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. هذا التشابك يعني أن أي تصعيد عسكري قد يتحول إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى، حيث تختلط الحسابات الاقتصادية بالطموحات الجيوسياسية.

ويرتبط الدرس الرابع بطبيعة الاقتصاد السياسي للحروب. حيث أن الصراعات الممتدة تُنتج دائمًا أعباء مالية هائلة على الدول المنخرطة فيها، خصوصًا عندما تتحول العمليات العسكرية إلى التزام طويل الأمد. يشير الاقتصادي والمؤرخ بول كينيدي في كتابه “صعود وسقوط القوى العظمى” إلى أن الإمبراطوريات الكبرى غالبًا ما تنهك عندما تتجاوز التزاماتها العسكرية قدرتها الاقتصادية، حيث تتآكل الموارد المالية تدريجيًا تحت ضغط الإنفاق العسكري المتزايد.

أما الدرس الخامس فيتعلق بالتحولات البنيوية في النظام الدولي. فالعالم يتحرك منذ سنوات نحو تعددية قطبية نسبية، حيث تتراجع القدرة الأحادية على فرض الإرادة السياسية في مناطق بعيدة. في هذا السياق يصبح الشرق الأوسط مساحة اختبار لهذا التحول؛ فكل أزمة كبرى في المنطقة تعكس التوازنات الجديدة بين القوى الدولية، كما تكشف حدود القوة العسكرية عندما تصطدم بواقع جغرافي وسياسي معقد.

ومن خلال استقراء هذه المسارات يمكن استشراف عدة سيناريوهات محتملة للمستقبل. السيناريو الأول يتمثل في احتواء الصراع عبر قنوات دبلوماسية غير مباشرة، حيث تلعب القوى الكبرى دور الوسيط من أجل منع انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة قد تهدد الاقتصاد العالمي. أما السيناريو الثاني يقوم على استمرار المواجهة في شكل حرب استنزاف إقليمية منخفضة الحدة، تتخللها ضربات محدودة وعمليات غير مباشرة عبر الحلفاء الإقليميين. والسيناريو الثالث، وهو الأكثر خطورة، فيتجسد في توسع الصراع إلى مواجهة دولية أوسع تدخل فيها قوى كبرى لحماية مصالحها الاستراتيجية، خصوصًا في مجال الطاقة والممرات البحرية.

في الأخير، يكشف الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل عن طبيعة المرحلة التاريخية التي يعيشها العالم اليوم، مرحلة تتداخل فيها الجغرافيا بالطاقة والاقتصاد بالعقيدة السياسية. وتمثل إيران عقدة استراتيجية في قلب أوراسيا، وأي حرب واسعة حولها تحمل إمكانية إعادة تشكيل النظام الدولي بأكمله. لهذا السبب ظل الشرق الأوسط عبر التاريخ مسرحًا لصراعات القوى الكبرى، حيث تتحول الجغرافيا إلى قدر سياسي، وتصبح الطاقة شريانًا يحدد مصير الاقتصاد العالمي، ويظل السلام رهين قدرة القوى الكبرى على تجنب الانزلاق نحو مواجهة تتجاوز حدود المنطقة إلى نطاق العالم.

****

لتحميل التحليل الثالث لمدونة الهامش أنقر على الرابط التالي: تنزيل المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *