﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾
القرآن الكريم، سورة الحجر، الآية 94.
كيف انتقلت الدعوة الإسلامية من السرّ إلى العلن بعد سنواتٍ من البناء الهادئ والتربية العميقة؟ وما الذي تغيّر في مسار الرسالة حين علا الصوت بكلمة التوحيد فوق جبل الصفا، فسمعتها بطون قريش جميعًا؟ وكيف واجه النبي صلى الله عليه وسلم مجتمعًا متشبثًا بتقاليده، غارقًا في عصبيته، وهو يعلن بداية مرحلةٍ جديدة من البلاغ المبين؟ إن الانتقال من الدعوة السرّية إلى الجهرية لم يكن تحوّلًا عابرًا في أسلوب الخطاب، وإنما كان منعطفًا تاريخيًّا أعاد تشكيل العلاقة بين الرسالة والواقع، ونقلها من دائرة الأفراد المستجيبين إلى ساحة المواجهة العامة. ففي تلك اللحظة خرجت الدعوة من البيوت الخفيّة إلى فضاء المجتمع المفتوح، وبدأ الصراع بين نور العقيدة وظلمات العادة، بين يقين الوحي وميراث الآباء. لقد كانت مرحلة إعلانٍ صريحٍ بالمبدأ، وكشفٍ واضحٍ بالغاية، واستعدادٍ لتحمّل تبعات الكلمة حين تُقال في وجه مجتمعٍ يرى فيها تهديدًا لبنيانه الفكري والاجتماعي. هكذا بدأت مرحلة جديدة عنوانها الصدع بالحق، وثمنها الصبر، وغايتها هداية الناس إلى صراط مستقيم.
بعد ثلاث سنوات من الدعوة السرّية، جاء الأمر الإلهي الحاسم: ﴿فَاصدع بِما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾، فكانت لحظة تحوّل كبرى في تاريخ الرسالة. ثم تلا ذلك توجيهٌ أدقّ يحدّد نقطة الانطلاق الأولى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بدائرته الأقرب، لأن الرسالات العظيمة تنطلق من الأسرة، وتمتد إلى المجتمع، ثم تعمّ الإنسانية. وقد صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، ونادى بطون قريش: “يا بني فهر، يا بني عديٍّ”، حتى اجتمعوا. وخاطب عقولهم بمنطقٍ يعرفونه فقال: “لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟” قالوا: ما جربنا عليك كذباً. عندها أعلن الحقيقة الكبرى: “فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد”. وهكذا، كانت تلك الصيحة إعلانًا صريحًا بالهدف الذي جاء من أجله، والغاية التي يحيا ويموت لها.
ثم تجلّت قمة التجرد في قوله ﷺ لقومه: “يا عباس بن عبد المطلب يا عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت رسول الله سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا”. هنا تتقدّم العقيدة على روابط الدم، ويتأكد أن معيار النجاة هو الإيمان والعمل، وأن الرسالة فوق العصبيات. كما كان موقفه واضح الاتجاه والغاية مع قوله عز وجل: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾، وكانت طريقته ﷺ بيّنة المنهج: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾. وعليه، فإن الدعوة النبوية كانت تقوم على الوضوح، وتتحرك ببصيرة، وتستمد قوتها من اليقين بالله.
وقد رأت قريش في هذا الإعلان تهديدًا مباشرًا لما ألفته من عبادة الآباء، فتكالبت على مواجهته، وقد حكى القرآن عن موقفهم بقوله سبحانه وتعالى: ﴿إنا وجدنَا آباءَنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون﴾. وهكذا بدأت مرحلة المواجهة العلنية، واشتد الأذى، وارتفعت وتيرة السخرية والتضييق، غير أن الثبات كان عنوان المرحلة، والثقة بوعد الله كانت زاد الطريق: ﴿والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾. ومع اشتداد العداوة، مضى النبي صلى الله عليه وسلم يدعو متلطفًا في عرض رسالة الإسلام، كاشفًا زيف الوثنية، فاستجاب نفرٌ من قومه، وثبتوا معه في وجه العاصفة. كما كانت الدعوة الجهرية إعلانًا عن انتقال الرسالة من طور التكوين الهادئ إلى طور المواجهة والصمود، ومن دائرة الأفراد إلى فضاء المجتمع. ومن الدروس المستفادة من مرحلة الدعوة الجهرية، نجد ما يلي:
- طاعة أمر الله مقدَّمة على حسابات الواقع وموازين القوة.
- التدرّج في الدعوة منهج حكيم؛ إعدادٌ في السر ثم إعلانٌ عند القدرة.
- البدء بالأقربين يعزّز صدق الرسالة ويؤكد المسؤولية تجاه الأسرة والمجتمع.
- وضوح الهدف والرسالة أساس التأثير والثبات.
- العقيدة تعلو على روابط العصبية والقرابة.
- الصدع بالحق يحتاج شجاعةً ويقينًا وثقةً بوعد الله.
- استخدام الحكمة في الخطاب وإقناع المخاطَبين بمنطقٍ يفهمونه.
- الثبات أمام السخرية والرفض والاضطهاد علامة على صدق الإيمان.
- التغيير الحقيقي يواجه مقاومة من أصحاب المصالح والعادات المتجذّرة.
- قلة المستجيبين في البداية لا تعني ضعف الدعوة، فالبدايات العظيمة تنمو بالصبر.
- القيادة الناجحة تجمع بين الصراحة في المبدأ والرفق في الأسلوب.
- العاقبة للحق مهما طال طريق المواجهة.
في الأخير، إن الجهر بالدعوة كان تنفيذًا لأمر الله وقيامًا بالواجب، وقد صدع النبي صلى الله عليه وسلم بالحق كما أُمر، فكان الثمن أذىً ومقاطعةً وحصارًا، وكانت الثمرة تمكينًا وهدايةً وانتشارًا. لقد كشفت هذه المرحلة أن طريق الإصلاح محفوف بالتضحيات، وأن الكلمة الصادقة حين تخرج من قلبٍ موقنٍ بالله تهزّ واقعًا بأكمله، وتعيد ترتيب الموازين وإن طال أمد المواجهة. كما واجه النبي صلى الله عليه وسلم حملات السخرية والتشويه بثباتٍ عجيب، وربّى أصحابه على الصبر واليقين، فصار الألم مدرسةً، والمحنة تمحيصًا، والابتلاء إعدادًا لجيلٍ يحمل الرسالة بثقةٍ ورسوخ. وهكذا تؤكد هذه المرحلة أن كلمة الحق حين تُعلن بصدقٍ ويقين قد تواجه مقاومةً شديدة، غير أن العاقبة للثبات، وأن الرسالات العظيمة تبدأ بصوتٍ صادقٍ فوق جبل، ثم تمتد جذورها في القلوب، وتتسع دوائرها في المجتمع، حتى تغيّر وجه التاريخ وتبني أمةً على أساس الإيمان والعدل والهدى.









اترك تعليقاً