العدل في الإسلام: درس من قصة سواد بن غزية

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)

 القرآن الكريم، سورة النساء، الآية: 135.

كم مظلمة نحملها في أعناقنا ونؤجل الاعتذار عنها؟ كم كلمة أو موقفًا نظنه هينًا وهو عند الله عظيم؟ ماذا أعددنا ليوم نقف فيه بين يدي الحكم العدل، حيث تُردّ الحقوق إلى أهلها، ويأخذ كلُّ ذي حق حقه؟ ألسنا جميعًا محتاجين إلى أن نتحلل اليوم، قبل أن نُطالَب غدًا؟ قال الله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (البقرة: 281). إنها قاعدة الوجود الأخلاقي في الإسلام: رجوع، فحساب، فعدل كامل. وجاء التحذير النبوي واضحًا كما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “من ضرب بسوط ظلمًا، اقتُصَّ منه يوم القيامة”. وبالتالي، فلا ظلم يضيع، ولا حق يُنسى.

وتتجلى خطورة الأمر في حديث “المفلس”: “إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طُرح في النار”. إن هذا الحديث النبوي يصور لنا صورة تهز القلب؛ حسنات تتبدد، وأعمال صالحة تتحول إلى أرصدة لغير صاحبها بسبب حقوق لم تُؤدَّ لأصحابها في الدنيا.

في ساحة بدر، حيث تصطف القلوب قبل الأجساد، وحيث تتقدم العقيدة على العدد، تجسد هذا المعنى في موقف عملي خالد. كان النبي ﷺ يعدّل الصفوف بقدح في يده، يؤسس نظام المعركة كما يؤسس نظام الأمة. مرّ بالصحابي الجليل سواد بن غزية رضي الله عنه فرآه متقدمًا عن موضعه، فمسّ بطنه بالقدح وقال: “استوِ يا سواد”، كلمة تنظيم في لحظة مصيرية. غير أن سوادًا قال: أوجعتني يا رسول الله، وقد بعثك الله بالحق والعدل، فأقدني (مكِّنِّي من القصاص لنفسي). هنا ينفتح الأفق الفلسفي للعدالة، حيث أن سواد لم يتردد في طلب القصاص، ولم يتردد النبي ﷺ في تمكينه. حيث كشف عن بطنه وقال: “استقد”. إن هذا المشهد العظيم لقائد في قلب معركة وجودية يعرّض جسده للقصاص من أحد جنوده. تقدم لنا درس أخلاقي في القيادة النبوية الراشدة، حيث أن سلطة تخضع للحق الذي تأمر به، والمساواة تتجسد واقعًا، لا شعارًا.

إقرأ المزيد:  غزوة الأحزاب: الزلزال الاستراتيجي الذي أعاد تشكيل ميزان القوة

لكن سوادًا لم يرفع القدح، وإنما عانق الجسد الشريف، وقبّل بطن النبي ﷺ، وقال: أردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك. في هذه اللحظة امتزج فيها الحق بالمحبة؛ طُلب القصاص فأُعطي، ثم تحوّل الموقف إلى إعلان وفاء وشوق ومحبة. في هذا الصدد، العدالة لم تُلغِ الرحمة، والرحمة لم تُعطل العدالة. هذا المشهد يكشف أن العدل في الإسلام يبدأ من استعداد صاحب السلطة أن يخضع له أولًا. من يملك القرار يضع نفسه تحت حكم المبدأ الأخلاقي. ومن هنا تولد الثقة بين القيادة والأتباع؛ ثقة قائمة على الشفافية والمساءلة، لو وُجد في النفس تردد في إعطاء الحق، لاهتز البناء الأخلاقي للجيش كله.

ولم يكن ذلك موقفًا منفردًا، فحينما شُفع في المرأة المخزومية التي سرقت، قال النبي ﷺ: “أتشفع في حد من حدود الله؟” ثم أعلن المبدأ الخالد: “لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”. في هذا الإطار، العدالة لا تعرف المحاباة، والقانون يسري على القريب والبعيد على حد السواء. إن فلسفة القصاص من النفس تتجاوز حدود القانون إلى تهذيب الضمير. حيث أن الإنسان حينما يقف بين يدي الله، سيحاسب على مثقال ذرة أخذها من حقوق الناس. لكن من صفّى حسابه في الدنيا خفّ حمله في الآخرة، ومن بادر إلى رد المظالم عاش مطمئن القلب، وسلِم من الإفلاس الحقيقي يوم القيامة. ومن الدروس المستفادة من قصة سواد بن غزية رضي الله عنه:

العدل فوق المكانة: قبول النبي ﷺ تمكين الصحابي من القصاص يرسّخ أن العدالة قيمة تعلو على كل اعتبار، مهما علا المقام.

المساءلة تبدأ من القائد: من يقود الناس أولى بالخضوع للقانون الذي يطبّقه، وبذلك تُبنى الثقة وتترسخ المصداقية.

إقرأ المزيد:  غزة.. حكاية البقاء ونور المقاومة

شجاعة المطالبة بالحق: مطالبة سواد بحقه تؤكد أن طلب العدالة لا يتعارض مع الأدب والاحترام متى استند إلى مبدأ الحق.

التواضع العملي: كشف النبي ﷺ عن بطنه ليُمكّن من القصاص صورة عملية للتواضع، تتجاوز الأقوال إلى الأفعال.

العدل لا يلغي الرحمة: اجتماع الاستعداد للقصاص مع مشاعر المحبة يبين أن الشريعة تجمع بين الحزم والإنسانية.

أهمية تصفية المظالم في الدنيا: المبادرة برد الحقوق قبل يوم القيامة طريق للنجاة من الإفلاس الحقيقي يوم الحساب.

بناء مجتمع قائم على الثقة: حين يرى الناس إنصاف القيادة لأنفسها، يسهل عليهم الالتزام بالنظام واحترام الحقوق.

الوعي بالآخرة يضبط السلوك: استحضار الوقوف بين يدي الله يدفع الإنسان إلى التحرز من ظلم العباد ولو كان يسيرًا.

الانضباط أساس النصر: الحادثة وقعت أثناء تسوية الصفوف في بدر، مما يدل على أن النظام والدقة جزء من أسباب القوة والنصر والتمكين.

المحبة الصادقة تتجلى في المواقف: تحوّل طلب القصاص إلى عناق يعكس عمق العلاقة الإيمانية بين النبي ﷺ وأصحابه، حيث يجتمع الحق والوفاء في قلب واحد.

في الأخير، إن قصة سواد بن غزية لا تعتبر حادثة عسكرية في يوم بدر فحسب، وإنما درس في هندسة الضمير الجمعي. لأن الأمة التي ترى قائدها يفتح صدره للقصاص تتعلم أن الكرامة الإنسانية مصونة، وأن العدل فوق كل الاعتبارات، وأن النجاة تبدأ من الاعتراف بالخطأ. لكن يبقى السؤال موجهًا إلينا: هل نملك شجاعة أن نقول لمن أخطأنا في حقه “استقد”؟ هل نسارع إلى الاعتذار ورد الحقوق قبل أن تُنتزع منا حسناتنا؟ ألسنا أحوج إلى تصفية المظالم من نبي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ هكذا يتجسد العدل حيًا في موقف، ويتحول التاريخ إلى مرآة نرى فيها أنفسنا. فمن أراد النجاة، فليتحلل اليوم من حقوق العباد، وليجعل من بدر مدرسة، ومن القصاص من النفس طريقًا إلى سلامة الآخرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *