“الاقتصاد الريعي، السلوك العصبي العشائري، التطرف الديني، ثلاثة مفاتيح او محددات لا يمكن حلّ ألغاز الحاضر العربي الراهن بدونها”
محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي.
ما الذي يجعل التجربة السياسية العربية تعيد إنتاج نفس البنية عبر التاريخ، رغم اختلاف السياقات والأزمنة والفاعلين؟ وهل يمكن فهم الممارسة السياسية في العالم العربي من خلال تحليل الوقائع والأحداث وحدها، أم أن ذلك يقتضي تفكيك أنماط التفكير العميقة التي وجّهت الفعل السياسي وشكّلت منطقه الداخلي؟ ثم كيف تشكّل ما يُسمّى بالعقل السياسي العربي داخل التجربة الحضارية العربية الإسلامية، وما المحددات التي حكمت بنيته وساهمت في توجيه مساره؟ وهل يكمن مأزق السياسة العربية في غياب الإرادة الإصلاحية، أم في استمرار اشتغال بنيات ذهنية تاريخية تقيّد إمكانات التحديث والتحرر؟ وأخيرًا، بأي معنى يمكن لمشروع محمد عابد الجابري في نقد العقل السياسي العربي أن يفتح أفقًا معرفيًا لتجاوز الاستبداد، وإعادة بناء السياسة على أسس عقلانية تاريخية؟
قدّم محمد عابد الجابري في كتابه “العقل السياسي العربي” واحدة من أكثر القراءات الفلسفية عمقًا في تشريح بنية الممارسة السياسية في التجربة العربية الإسلامية، قراءة لا تنشغل بسرد الوقائع أو تقويم الأشخاص، وإنما تسعى إلى تفكيك الشروط المعرفية والتاريخية التي أنتجت نمطًا مخصوصًا من التفكير السياسي، ظل يعيد إنتاج نفسه عبر العصور حتى الحاضر. فالعقل السياسي عند الجابري لا يُفهم بوصفه وعيًا فرديًا أو اختيارات ظرفية، وإنما باعتباره بنية تاريخية مركّبة، تتداخل فيها أنساق اللاشعور الجمعي، والمخيال الاجتماعي، وآليات السلطة، ضمن سياق حضاري محدد.
ينطلق الجابري من سؤال مركزي: كيف تَشكّل العقل السياسي العربي؟ وما القوى التي حكمت منطقه الداخلي وحددت آفاق اشتغاله؟ ويذهب إلى أن هذا العقل تبلور داخل شروط تاريخية مخصوصة، ابتداء من الدولة الأموية، مرورًا بالعصر العباسي، وصولًا إلى أنماط الحكم الحديثة في العالم العربي فما بعد الاستعمار. ورغم اختلاف الأزمنة والأشكال، فإن البنية العميقة ظلت واحدة، تقوم على ثلاث محددات كبرى: “القبيلة، والغنيمة، والعقيدة”. هذه المحددات لا تُفهم كمفاهيم تاريخية منقضية، وإنما كأنماط اشتغال مستمرة في اللاوعي والمخيال السياسي العربي.
إن “القبيلة” في تحليل الجابري، لا تشير إلى رابطة الدم وحدها، بل إلى منطق العصبية بكل أشكالها، حيث تُقدَّم القرابة والانتماء الضيق على الكفاءة والاستحقاق. إنها آلية حكم تُؤسِّس للسلطة عبر الولاء، وتُقصي منطق المؤسسات والقانون والكفاءة. في هذا السياق، تصبح الدولة والحزب امتدادًا للعشيرة، وتتحول السياسة إلى إدارة توازنات عصبية، لا إلى تدبير عقلاني للشأن العام. وقد رأى الجابري أن هذا المنطق القبلي ظل حاضرًا منذ لحظة الخلافة الأولى، حيث حُسمت مسألة السلطة بمنطق الغلبة والتوازنات القبلية أكثر مما حُسمت بمنطق الاختيار العقلاني أو التعاقد السياسي.
أما “الغنيمة” فهي المحدد الاقتصادي للعقل السياسي العربي، لأنها تعبير عن اقتصاد الريع لا الإنتاج، وعن الدولة التي تقوم على الجباية والتوزيع لا على خلق الثروة. في هذا الإطار، تصبح السلطة طريقًا للامتياز، وتغدو السياسة أداة للسيطرة على الموارد وتوزيعها وفق منطق الولاء. كما يرى الجابري أن الغنيمة لعبت دورًا حاسمًا في الفتنة الكبرى، وفي تشكل التفاوت الاجتماعي، وفي انتقال الدولة من نموذج أخلاقي قيمي إلى نموذج دنيوي مصلحي. ومع ترسخ الدولة السلطانية، تحولت الغنيمة إلى آلية ضبط اجتماعي، تُستعمل لإسكات المعارضين واستمالة الأنصار.
أما “العقيدة” فهي المحدد الرمزي والروحي، الذي يمنح الشرعية للسلطة، ويضفي على ممارساتها طابع القداسة. لا يقصد الجابري بالعقيدة الدين في جوهره القيمي والأخلاقي، وإنما توظيفه الإيديولوجي في الصراع السياسي. لأن العقيدة حينما تتحول إلى أداة تبرير، تُعطل النقد، وتغلق باب المساءلة، وتجعل الحاكم ظلًّا للإله في الأرض. من هنا نشأت -في نظر الجابري-، البنية الجبرية التي تُنسب فيها أفعال السلطة إلى الإرادة الإلهية، بما يُفرغ الفعل السياسي من أي مسؤولية أخلاقية أو بشرية.
تكمن أهمية تحليل الجابري في كونه لا يقرأ هذه المحددات بوصفها عناصر منفصلة، بل كبنية متشابكة تنتج نمطًا مخصوصًا من العقل السياسي، عقلًا يميل إلى الاستبداد، ويُقدّس القوة، ويخشى الفتنة أكثر مما يسعى إلى العدالة. هذا العقل كما يرى الجابري، ظل يستعيد نفسه عبر التاريخ، من الملك العضوض إلى الدولة السلطانية، ثم إلى أشكال الحكم الحديثة التي أعادت إنتاج الاستبداد بأدوات معاصرة.
في مقابل هذا التشخيص النقدي، لا يكتفي الجابري بوصف العطب، بقدر ما يطرح أفقًا للتجاوز، فهو يرى أن تحديث العقل السياسي العربي يقتضي قطيعة نقدية مع محدداته التقليدية، عبر تحويل القبيلة إلى تنظيم مدني، والغنيمة إلى اقتصاد إنتاجي، والعقيدة إلى مجال للاعتقاد الحر لا أداة للهيمنة. كما يدعو إلى إعادة بناء أصول الفقه السياسي الإسلامي على أسس دستورية ديمقراطية، تُقرّ بالمواطنة، وتفصل بين السلطة والقداسة، وتؤسس للمساءلة. انطلاقًا من أفكار محمد عابد الجابري، يتبيّن أنّ تجاوز مأزق العقل السياسي العربي يقتضي جملة تحوّلات عميقة يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط أساسية:
- إعادة بناء العقل السياسي على أساس نقدي تاريخي: يقتضي ذلك تفكيك البنيات الذهنية التي تشكّلت داخل التجربة السياسية العربية الإسلامية، والكشف عن آليات اشتغال القبيلة والغنيمة والعقيدة في توجيه الممارسة السياسية. فالتجديد السياسي لا يتحقق عبر تغيير الوجوه أو الشعارات، وإنما عبر مساءلة المنطق الذي حكم إنتاج السلطة، ونقل التفكير السياسي من منطق العصبية والشرعية المقدسة إلى منطق التاريخ والمصلحة العامة والعقل العملي.
- تحرير السياسة من التداخل اللاعقلاني بين المقدّس والسلطة: يدعو الجابري ضمنيًا، إلى إعادة رسم الحدود بين المجال الديني والمجال السياسي، بما يسمح بتحويل العقيدة من أداة تبرير للهيمنة والقهر إلى مجال إيماني أخلاقي مستقل. فبغير هذا الفصل المعرفي، تظل السياسة أسيرة خطاب الجبر والاصطفاء والحق الإلهي، ويستحيل قيام مساءلة سياسية عقلانية قائمة على المسؤولية والمحاسبة.
- إرساء مجال سياسي حديث قوامه المواطنة والمؤسسات: إن تجاوز المحددات التقليدية للعقل السياسي العربي يمرّ عبر الانتقال من منطق القبيلة إلى منطق الدولة، ومن اقتصاد الغنيمة إلى اقتصاد الإنتاج، ومن الولاء العقائدي إلى الانتماء المدني. وهو انتقال يفترض بناء مؤسسات دستورية، وتكريس مبدأ المشاركة، وتحويل السياسة إلى ممارسة مدنية عقلانية تخضع للتداول والنقد والتصحيح، بدل بقائها مجالًا مغلقًا يعيد إنتاج الاستبداد بأشكال متجددة.
في الأخير، إن مشروع الجابري في نقد العقل السياسي العربي لا يُقرأ بوصفه حكمًا على الماضي، وإنما باعتباره تفكيكًا لشروط الحاضر. إنه دعوة إلى تحرير السياسة من أسر اللاعقلانية، وإخراجها من منطق العصبية والغلبة والتبرير الغيبي، نحو أفق عقلاني يجعل من الدولة فضاءً للتعاقد، ومن السلطة وظيفةً خاضعة للنقد والمحاسبة. بذلك، يتحول العقل السياسي من عقل موروث يعيد إنتاج ذاته، إلى عقل تاريخي مفتوح على إمكان التغيير.








