الكتابة عن المهمَّشين بوصفها ضرورة فلسفية وأخلاقية في مساءلة المعرفة والعدالة والسلطة

“التاريخ يُكتب عادةً من منظور المنتصرين، غير أنّ واجب الفكر النقدي أن يُنصت إلى أصوات الذين سُحقوا تحت عجلة هذا الانتصار.”

والتر بنيامين، أطروحات في فلسفة التاريخ

لماذا نكتب عن المهمَّشين؟ ومن الذي يملك حق الكلام باسم التاريخ؟ وهل يمكن للمعرفة أن تكون حيادية في عالم يقوم على اللامساواة؟ ثم هل الكتابة عن الهامش فعل تعاطف أخلاقي أم ضرورة فلسفية تمسّ معنى العدالة والمعرفة والوجود الإنساني ذاته؟ تُطرح هذه الأسئلة في قلب كل تفكير جاد حول المعرفة والسلطة، وحول وظيفة الكتابة في المجتمعات التي تعيش اختلالات عميقة في توزيع الصوت والاعتراف. فالكتابة عن المهمَّشين لا تنتمي إلى حقل الشفقة، ولا إلى خطاب الإحسان الرمزي، بل ترتبط بسؤال فلسفي مركزي: كيف يُنتَج المعنى في التاريخ؟ ومن يُقصى من هذا الإنتاج؟ ومن يدفع ثمن الصمت المفروض عليه؟

لا يُفهم التهميش بوصفه وضعاً اجتماعياً طارئاً، وإنما بوصفه بنية تاريخية تنتجها أنظمة اقتصادية وثقافية وسياسية. لأن الهامش ليس خارج المركز صدفة، وإنما دُفع إليه بفعل علاقات قوة غير متكافئة. وقد بيّن ميشيل فوكو أن السلطة لا تعمل فقط عبر القمع المباشر، وإنما عبر تنظيم الخطاب، أي عبر تحديد من يحق له الكلام، وما الذي يمكن قوله، وما الذي يُقصى إلى الصمت. ومن هنا يصبح الصمت المفروض على المهمَّشين جزءاً من آلية الحكم. إن الكتابة عن المهمَّشين تفكك هذا الصمت القسري، وتكشف أن ما يُقدَّم بوصفه “طبيعياً” أو “عادياً” ليس سوى نتيجة تاريخية لهيمنة متراكمة. حيث أن الهامش ليس قدراً، بل نتاج سياسة، والمعرفة التي تتجاهله معرفة ناقصة مهما ادّعت الشمول.

علاوة على ذلك، إن تاريخ الفكر الإنساني كُتب في الغالب من موقع المركز: مركز السلطة، مركز اللغة المهيمنة، مركز الطبقات المنتصرة. وقد نبّه إدوارد سعيد إلى أن المعرفة ليست بريئة، وأن السرديات الكبرى غالباً ما تُقصي الذوات التي لا تخدم منطق السيطرة. ففي كتابه “الاستشراق”، كشف كيف تحولت المعرفة إلى أداة لإنتاج “آخر” صامت، يُعرَّف ولا يُسمح له بالتعريف عن نفسه. وهكذا، فالكتابة عن المهمَّشين تصبح في هذا السياق ممارسة نقدية للمعرفة ذاتها، حيث أنها لا تضيف موضوعاً جديداً فقط، بقدر ما تعيد مساءلة المنهج، والمفاهيم، واللغة المستعملة. إنها تفرض على الفكر أن يراجع موقعه الأخلاقي، وأن يعترف بأن الحقيقة لا تُختزل في رواية واحدة.

إقرأ المزيد:  فلسفة السقوط: قراءة خلدونية في انهيار بغداد وتحلّل العمران

ينطوي الهامش على طاقة معرفية كبرى، حيث أن التجارب التي تعيشها الفئات المهمَّشة تكشف ما يخفيه النظام القائم عن ذاته. ولهذا رأى فرانز فانون أن المستعمَرين يمتلكون وعياً حاداً بطبيعة القهر، لأنهم يعيشونه في أجسادهم وحياتهم اليومية. فالهامش يرى ما لا يراه المركز، لأن المركز يستفيد من عمى الامتياز. وبالتالي، فالكتابة عن المهمَّشين تتيح للفلسفة أن تعود إلى أصلها الأخلاقي: مساءلة الظلم، وكشف الاغتراب، والدفاع عن الكرامة والحرية الإنسانية. إنها كتابة تستعيد المعنى من الحياة المعيشة، لا من التجريد المنفصل عن الواقع.

في هذا الصدد، تُطرح مسألة العدالة المعرفية، أي الحق في الظهور داخل الفضاء الرمزي. فكما توجد عدالة اجتماعية، توجد عدالة في توزيع المعرفة والتمثيل والسردية. وقد دافع غرامشي عن مفهوم “المثقف العضوي” الذي يرتبط بقضايا الطبقات المسحوقة، لا بوصفه ناطقاً باسمها، بل بوصفه شريكاً في تفكيك شروط قهرها. إن الكتابة عن المهمَّشين تضع المثقف أمام مسؤولية أخلاقية مزدوجة: مسؤولية الإنصات، ومسؤولية الترجمة. حيث أن الإنصات يقتضي التخلي عن موقع التفوق، والترجمة تعني نقل التجربة دون تشويهها أو ترويضها داخل لغة السلطة. وهكذا، تصبح الكتابة فعلاً سياسياً بالمعنى العميق، لأنها تعيد توزيع الرؤية داخل المجتمع.

لا يمكن فصل التهميش عن اللغة. لأن اللغة المهيمنة تحمل في بنيتها تصنيفات تقصي، وتُطبع فيها علاقات القوة. وقد نبّه نغوجي وا ثيونغو إلى أن السيطرة اللغوية استمرار للاستعمار بأدوات ناعمة. حيث أن الكتابة عن المهمَّشين تقتضي وعياً باللغة المستعملة، وبالصور التي تنتجها، وبالأسئلة التي تسمح بطرحها. وبالتالي، حين نكتب عن الهامش، نُجبر اللغة على أن تقول ما حاولت إخفاءه. نفتحها على أصوات كانت محجوبة، ونزعزع استقرارها، لأن اللغة التي لا تهتز تتحول إلى أداة ضبط لا أداة كشف.

إقرأ المزيد:  الحقيقة المنسية في عصر ما بعد الحقيقة

خطر الكتابة عن المهمَّشين يكمن في تحويلهم إلى موضوع للشفقة، غير أن الفلسفة لا تنطلق من الشفقة، وإنما من الاعتراف. والاعتراف كما بيّن أكسيل هونيث، شرط أساسي لتكوّن الذات الحرة. لأن الإنسان يُسحق حين يُنفى من فضاء الاعتراف، لا فقط حين يُحرم من الموارد. وبهذا، الكتابة عن المهمَّشين تصبح فعلاً لإعادة الاعتراف، أي إعادة إدخال الذوات المقصاة في التاريخ بوصفها فاعلة، لا بوصفها ضحية صامتة. إنها كتابة تقاوم تحويل البشر إلى أرقام أو حالات أو مشكلات تقنية.

كما أن تجاهل الهامش يقود الفكر إلى العقم، فالفلسفة التي لا تصغي إلى الألم تفقد قدرتها على النقد، والمجتمع الذي لا يرى مهمَّشيه ينتج أزمات متراكمة تنفجر عاجلاً أم آجلاً. وهكذا، فإن الكتابة عن المهمَّشين ليست دفاعاً عن الماضي فقط، وإنما استثمار في المستقبل. إنها تفتح أفقاً جديداً للتفكير في العدالة، والديمقراطية، والعيش المشترك. لأنها تذكّر بأن الاستقرار الذي يُبنى على الإقصاء استقرار زائف، وأن السلام الذي لا يشمل الجميع وعدٌ مؤجل بالانفجار.

في الأخير، نكتب عن المهمَّشين لأن الصمت عنهم مشاركة في إقصائهم. نكتب عنهم لأن الحقيقة لا تكتمل دون أصواتهم. نكتب عنهم لأن الفلسفة التي تنفصل عن الألم تتحول إلى ترف ذهني. ونكتب عنهم لأن الكتابة في معناها الأعمق، فعل مقاومة ضد النسيان. وبالتالي، فالكتابة عن الهامش ليست انحيازاً أيديولوجياً، بقدر ما هي انحيازاً للإنسان. إنها استعادة للمعنى في عالم يحاول تطبيع اللامساواة، وتذكير بأن التاريخ لا يُقاس بما يعلنه المنتصرون، بل بما ينجو من الصمت.