المهمشون في التاريخ.. صُنّاع التاريخ الذين ابتلعهم النسيان

“التاريخ يكتبه المنتصرون، لكنّه يُصنع بأيدي المهزومين.”

كيف يُصنع التاريخ؟ ومن يملك الحق في روايته؟ وهل يمكن للذين عاشوا في الظلال أن يكتبوا ما أنجزوه بأيديهم؟ هذه الأسئلة تفتح الطريق نحو فهم أعمق للعلاقة بين الفعل التاريخي والذاكرة. فحين تتحدث الأمم عن نفسها، تتحدث بأصوات الملوك والقادة والعلماء والفلاسفة…، بينما يبقى صانعو الواقع الإنساني الحقيقي في صمت طويل، في هذا الصدد يقول والتر بنيامين إن “كل وثيقة من الحضارة هي في الوقت ذاته وثيقة من البربرية”، وكأن التاريخ لا يمكن أن يُكتب دون أن يُسكت بعض الأصوات في سبيل إبراز أخرى، كما أن فعل النسيان هنا لا يأتي من غفلة، بل من هندسة متقنة للذاكرة.

حين نعود إلى البدايات، نرى أن كل تحول عظيم في التاريخ الإنساني كان ثمرة لمعاناة الفئات الدنيا، على سبيل المثال: في المدن الأولى التي شُيّدت في ظل الحضارات القديمة (البابليين، الفراعنة، الإغريق، الرومان…)، لم يكن الملوك من حملوا الحجارة أو رسموا النقوش على الجدران، بل العمّال الذين عاشوا دون أسماء. ما نقرأه اليوم عنهم ليس أكثر من بقايا أثر في جدار، إلا أن تلك الأيدي التي حفرت الأرض وشيّدت المعابد هي التي صنعت الشرط المادي للحضارة. وقد كتب ميشيل فوكو أن “كل ممارسة للمعرفة هي ممارسة للسلطة”، والتاريخ بحد ذاته ممارسة معرفية، لذلك فإن من يمتلك أدوات السرد يحدد من يُذكر ومن يُنسى.

في التجربة الإسلامية تبرز هذه المفارقة بوضوح، فالجنود الذين عبروا الصحاري في الفتوحات الكبرى، والنساء اللواتي أعددن المؤن وأشرفن على حفظ الحياة داخل المدن، والعمّال الذين بنوا الجسور والمساجد، جميعهم كانوا الطاقة التي دفعت العالم الإسلامي نحو التمدد والاستقرار والازدهار. غير أن كتب التاريخ -الطبري أو البلاذري- ركزت على أسماء القادة والولاة، فصارت صورة الحضارة سلسلة من أسماء مهيمنة لا تتسع لتجارب الناس الذين حفظوا كيانها. في هذا الإطار يمكن أن نستحضر قول الفيلسوف الإسباني خوسيه أورتغا إي غاسيت: “الإنسان هو ما يفعله في ظروفه”، والذين عاشوا في الهامش فعلوا أكثر مما رُوي عنهم، لكن غيابهم من الذاكرة جعل التاريخ ناقصًا في صدقه الإنساني.

عند التأمل في الثورة الفرنسية، تظهر دينامية التهميش في أوضح صورها، من خلال تهميش الفاعلين الأساسين في هذا الحدث التاريخي، فالجماهير التي خرجت تطالب بالخبز هي التي فتحت الطريق نحو سقوط حكم لويس سادس عشر، والنساء اللواتي قدن المسيرة إلى فرساي هنّ من دفعن بالعجلة إلى الأمام، إلا أن السرد التاريخي حوّل فعلهن إلى مشهد غضب عابر، وتم تصويرهم في كتب المؤرخين كـ”غوغاء”، ليبقى التاريخ حكرًا على من يملكون اللسان والقلم. من تلك اللحظة، صار الحدث الثوري مؤطرًا في صور السياسيين والخطباء كبروبسبير ودانتون ومارا….، بينما توارى إلى هامش التاريخ الذين صنعوا جوهر الثورة التي غيرت وجه أوروبا والعالم بأسره. يصف أنطونيو غرامشي هذه الظاهرة بقوله: “الهيمنة لا تُمارس بالسلاح فقط، بل بالكلمة التي تُعيد ترتيب الوعي”.

إقرأ المزيد:  الحقائق البديلة في زمن ما بعد الحقيقة: تفكّك المعنى وصعود السلطة الخطابية الشعبوية

وخلال القرن العشرين، تكررت القصة مع الثورة الروسية التي بدأت بإضرابات عاملات النسيج في بتروغراد سنة 1917، ثم تحولت إلى واحدة من أهم الثورات في التاريخ الحديث. لقد انطلقت الشرارة من المعاناة اليومية، من العمل المرهق والأجور المتدنية والجوع، ثم تسلمت النخبة زمام السرد فصار التاريخ باسم القادة والمفكرين كلينين أو تروتسكي…، وبهذا فما يُنسى هنا هو أصل الطاقة التي حرّكت الزمن، تلك الإرادة التي تنبع من الهامش وتُعيد تشكيل المعنى الاجتماعي بأكمله.

في السياق العربي، يمكن رؤية الأثر نفسه من خلال حركات التحرر الوطني الذين تم نسينهم وتهميشهم في كتب التاريخ، مثل: الفلاحون في الجزائر الذين حملوا السلاح في الجبال، والعمال في الموانئ التونسية الذين أضربوا عن العمل، والشباب الذين واجهوا القمع في شوارع الدار البيضاء والقاهرة ودمشق، كلهم أسهموا في بناء وعي جمعي جديد. غير أن التاريخ الرسمي حوّل التجارب إلى بطولات فردية ترتبط بالزعماء، فأُغفلت التضحيات اليومية التي أنضجت شرارة الاستقلال والتحرر الوطني. وإذا كان التاريخ هو صراع بين القوى، فإن الهامش هو دائمًا الطرف الذي يدفع الحركة نحو الأمام، يقول ماركس في كتابه “الثامن عشر من برومير لويس بونابرت”: “يصنع البشر تاريخهم، ولكنهم لا يصنعونه كما يشاؤون”، والمقصود أن الوعي الجمعي، حتى في طبقاته الدنيا، هو الذي يخلق التحولات العميقة، لا الأفراد المتربعون في الأعلى.

إن النسيان في التاريخ ليس فعلًا سلبيًا، بل نظام في حد ذاته، نظام يحافظ على توازنات القوة من خلال محو آثار الآخرين، يرى بول ريكور أن “النسيان هو وجه من وجوه الذاكرة”، لأن ما يُمحى يظل حاضرًا بطريقة خفية في أعماق الوعي الجمعي. كما أن المهمشون لا يغادرون المشهد كليًا، بل يستمرون كذاكرة مضادة، كصوت يتردد تحت سطح الخطاب الرسمي، كما يظهر في الأغاني الشعبية، وفي الأمثال والنكت، وفي القصص التي تتناقلها الأجيال…، حيث يعيش التاريخ غير المكتوب، التاريخ الذي لا يحتاج إلى أرشيف ليبقى.

إقرأ المزيد:  عامل البناء.. حامل التاريخ المنسي

تظهر في هذا الإطار أهمية إعادة التفكير في معنى كتابة التاريخ. فالتاريخ الاجتماعي والثقافي المعاصر يحاول أن يعيد إلى الفعل الإنساني قيمته من خلال “التاريخ من الأسفل”، وهو منهج يرى أن فهم الماضي يمر عبر الحياة اليومية لا عبر القرارات السياسية. هذا المسعى ينسجم مع قول الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس إن “العقل التاريخي لا يكتمل إلا في الحوار مع التجربة الإنسانية المهدورة”، إن الاعتراف بدور المهمشين في صناعة التاريخ هو في جوهره إعادة للإنسان إلى مركز السرد، لأن كل تحول اجتماعي ينبع من تجربة إنسانية معاندة للقهر.

علاوة على ذلك، ما فعله هاوارد زن في كتابه “التاريخ الشعبي للولايات المتحدة” كان ثورة على الطريقة التقليدية في كتابة التاريخ؛ فقد رفض أن يروي حكاية الأمة من منظور النخبة السياسية والاقتصادية، وكتبها من موقع العمّال والنساء والعبيد والجنود والمهاجرين الذين عاشوا التجربة الأمريكية في الظل. في نظره، التاريخ الحقيقي هو تاريخ الذين عانوا لا الذين حكموا، والذاكرة لا تكتمل إلا حين تتكلم الأصوات المنسية. وقد أعاد زن سرد الثورة الأمريكية بوصفها انتفاضة نخبوية حافظت على مصالح الطبقة المالكة، وقرأ الحرب الأهلية من خلال معاناة العبيد لا من خلال قرارات الجنرالات، فحوّل التاريخ من سجل انتصارات إلى سجل مقاومات. وكان يرى أن المؤرخ لا يكتب ليؤرّخ فحسب، بل ليعيد للإنسان كرامته داخل الذاكرة، وأن كل تقدم اجتماعي من إلغاء العبودية إلى الحقوق المدنية، ما هو إلا ثمرة نضال الذين لم يُذكروا في الكتب. بهذا المنهج الأخلاقي، جعل زن من التاريخ عملاً تحرريًا يواجه النسيان، وبيّن أن الأمة لا تُبنى على البطولات الرسمية، بل على الوعي الجمعي لمن صنعوا الحياة والتاريخ في الهامش والظل.

في الأخير، لا يُقاس التاريخ بعدد الأسماء المحفوظة فيه، بل بمدى قدرته على احتضان الألم الإنساني الذي رافقه: من يموت في صمت داخل مناجم الفحم، ومن يحرس الحقول دون أجر، ومن يعبر الحدود حاملاً أحلامه، هم الذين يصوغون المعنى الحقيقي للمسار البشري. كتب جان بول سارتر أن “الإنسان مشروع مفتوح نحو المستقبل”، والمهمشون هم أكثر من جسّد هذه الحقيقة، لأنهم يصنعون الغد وهم يعلمون أن أحدًا لن يكتب أسماءهم. وهكذا، فالتاريخ من دونهم يصبح قشرة خاوية، والذاكرة التي تغيب عنها معاناتهم تفقد إنسانيتها، كما أن إنقاذ صوت الهامش من الاندثار ليس عملاً توثيقيًا فحسب، بل هو دفاع عن معنى الإنسان في مواجهة النسيان.