ترميز التفاهين.. حين يتحول الابتذال إلى معيار

“في زمن غابت فيه القيم، صار الابتذال هو المقياس، والصورة هي الحقيقة، والسطحية هي السائد.”

هل تساءلت يومًا كيف يصعد التافهون إلى واجهة المجتمعات؟ كيف يُمنح أشخاص بلا فكر ولا مبدأ منزلة النخبة؟ كيف تُنتج السلطة رموزًا من البلاستيك، فارغة من أي مضمون، ثم تُقدّمهم كقدوة للناس؟ ما الذي يجعل إنسانًا بلا عمق، بلا رؤية، يتصدر المشهد الإعلامي، ويُصنَّف من “الناجحين”؟ ولماذا أصبح المعيار هو عدد المتابعين لا عدد الكتب، عدد الإعجابات لا عدد الأفكار، عدد الصفقات لا عدد الأسئلة؟

لقد تحدث المفكر الكندي آلان دونو في كتابه “نظام التفاهة” عن هذه الظاهرة التي أصبحت سمةً لمجتمعات الحداثة السائلة، حيث تنتصر الرداءة لا لأنها تفرض نفسها بالقوة، بل لأنها تتسلل عبر البيروقراطية، عبر التسويق، وعبر محو الفارق بين المضمون الفارغ والنجاح. في هذا النظام، لم يعد التافه يُخفي سطحِيَّته، بل صار يُكلّل بها، يُحتفى به، يُصنع له محتوى ويُوضع له إطار رمزي.

في هذا العصر الذي تنقلب فيه المعايير، لم تعد التفاهة مجرّد سلوك عرضي بل أصبحت بنية تُنتج وتُكرَّس وتُسوَّق. لقد انتقلت التفاهة من الهامش إلى المركز، ليس بفضل قوتها الذاتية، بل لأن الأنظمة التي تتحكم في إنتاج الرموز اختارتها عن وعي. فالرأسمالية المعاصرة لا تحتاج إلى مفكرين، بل إلى مروّجين؛ لا تحتاج إلى مشككين، بل إلى مكرّسين للواقع القائم. التافه لا يُربك، لا يُزعج، لا يطرح أسئلة. هو أداة سلسة في يد السوق والسلطة، يُعاد تشكيله بما يناسب اللحظة، ويُمنح موقعه الرمزي ليصير مرجعًا، رغم خوائه.

خذ مثالًا من الإعلام، حيث تتحول القنوات والمنصات إلى ساحات استعراض، لا لتقديم المعرفة بل لصناعة الضجيج. شاب أو فتاة بلا أي مشروع فكري أو اجتماعي يظهر في فيديو سخيف يتكرر ملايين المرات، ويصبح فجأة من “المؤثرين”. في حين يتم إقصاء الباحث أو المفكر أو الفنان الحقيقي لأنه “لا يجذب المشاهدات”، أو لأنه “ثقيل”، أو لأنه يطرح أسئلة غير مريحة. هكذا نرى المعيار ينقلب رأسًا على عقب: لم يعد المهم هو ما تقول، بل كم مرة تم تكراره؛ لم يعد يُسأل الإنسان عن مواقفه، بل عن عدد مشتركين قناته.

إقرأ المزيد:  صراع الأنظمة المعرفية.. تفكيك العقل العربي في مشروع الجابري

في السياسة يتكرر المشهد نفسه، فالسياسي الناجح اليوم ليس من يمتلك رؤية استراتيجية أو مشروعًا حضاريًا، بل من يعرف كيف يبتسم للكاميرا، وكيف يركب الخطابات الشعبوية الرائجة، وكيف يبيع الوهم بسعر مُخفّض. لقد أصبح الشكل السياسي فارغًا من المحتوى، لأن الناخب نفسه تم إعادة تشكيل وعيه عبر سنوات من التعوّد على التفاهة. وصار السياسي الناقد يُتهم بـ”السلبية”، وصاحب الموقف يُرى كمثير للمشاكل، بينما التافه الهادئ يُمنح شرعية لأنه لا يُربك النسق.

حتى في الثقافة، نلاحظ كيف أصبحت الكتب الأكثر مبيعًا ليست تلك التي تُعمّق الفهم أو تفتح أبواب التفكير، بل تلك التي تُكرّر عبارات تحفيزية سطحية أو تقدم وصفات النجاح المعلبة. يُمنح “الكاتب” مكانة اجتماعية لأنه يستطيع أن يُرضي الجميع دون أن يقول شيئًا يُزعج أحدًا. أما من يحاول الكتابة بما يمس الجوهر، فيُقصى إلى الهامش ويُتّهم بـ”النخبوية” أو “الإنغلاق”.

بل إن كثيرًا من الكتب الرائجة اليوم ليست سوى نصوص “تحفيزية” تُكرِّر مفاهيم مفرغة: “آمن بنفسك”، “لا تستسلم”، “أنت رائع”… وكأن القارئ طفل يحتاج إلى تهليل، لا إلى مساءلة. فكم من كتاب يُسوّق على أنه عظيم، وهو في الحقيقة مجرّد وصفة جاهزة مكررة بلغة رنانة؟ وكم من كاتب صار نجمًا لا لأنه كتب فكرة، بل لأنه يعرف كيف يبيع نفسه؟

في المؤسسات التعليمية، تتجلى الكارثة بشكل صامت. لم يعد الطالب يُحفَّز على التفكير النقدي، بل على النجاح في الامتحان. لم تعد الثقافة أفقًا للتحرر، بل وسيلة للارتقاء الوظيفي. وهكذا، يتحول المثقف إلى مُدرّب تنمية بشرية، يُقدّم نصائح استهلاكية، ويلبس لغة فلسفية لا تُربك أحدًا.

ترميز التافه إذًا ليس ظاهرة معزولة، بل هو نتيجة لتحول عميق في أنظمة إنتاج الرموز والمعنى. أصبحنا نعيش في واقع يُعاد فيه تشكيل الذوق الجمعي عن طريق الإعلام، والمنصات، والإعلانات، والنظام التعليمي، بحيث يتم دفع الناس إلى الإعجاب بما لا يستحق الإعجاب، والتشبّه بما لا يُحتذى به، وتقديس من لا يملكون شيئًا يُقدَّم سوى الواجهة.

إقرأ المزيد:  “عهد الأصدقاء”.. فلسفة الأمل والوفاء في ذاكرة جيل سبيستون

ولأن التفاهة تُناسب السوق، فهي تُكافأ. ولأنها تُنتج ولاءً أعمى، فهي تُستخدم سياسيًا. ولأنها تُخدّر الحس النقدي، فهي تُرحّب بها المؤسسات. وهكذا يتحول التافه إلى رمز، لا لأنه يمتلك القيمة، بل لأن العالم المحيط به قرر أن يُسكت كل ما عدا ذلك. يقول آلان دونو في كتابه نظام التفاهة: “لقد أصبح التافهون يحكمون، لأنهم لا يشكّلون خطرًا على أحد”. وهذا بحد ذاته تعريف دقيق للمشكل.

لكن المقاومة ممكنة. تبدأ من التربية، من إعادة الاعتبار للسؤال لا للجواب، من تحفيز الحس النقدي لا الاستهلاك السلبي، وكذلك تبدأ من التمييز بين من يُفكّر ومن يُكرّر، بين من يُنتج المعنى ومن يُعيد إنتاج الصورة، وأيضا تبدأ من طرح السؤال: ما القيمة؟ وما الجدارة؟ ومن الذي يملك الحق في أن يكون رمزًا؟

في الأخير، ترميز التفاهة ليس قَدَرًا، لكنه لن يزول ما لم نكسر هذا التواطؤ الصامت بين السوق، والسلطة، والجمهور الكسول. فهل يمكن للمعنى أن يستعيد مكانته، في زمن صارت فيه الصورة كل شيء؟ وهل نملك نحن، في هذه اللحظة، الجرأة الكافية لنقول لا؟