يقول نجيب محفوظ من روايته “أولاد حارتنا”:
“آفة حارتنا النسيان.”
تعبّر هذه العبارة عن رؤية فلسفية عميقة تتجاوز إطارها الأدبي لتلامس جوهر الوعي الإنساني في علاقته بالذاكرة والتاريخ، فهي تكشف حالة وجودية يعيشها الإنسان حين يفقد وعيه بالزمن، ويتحوّل تاريخه إلى تكرارٍ بلا وعيٍ أو مساءلة، فنجيب محفوظ من خلال هذه الجملة المكثفة، يقدّم تشخيصًا ثقافيًا لمجتمعٍ ينسى كي يعيش، لكنه بهذا النسيان يكرّر ما كان، وينغلق في دائرة لا تنتهي من الخيبات.
إن الذاكرة تشكّل نسيج الهوية الفردية والجماعية، لأنها تمنح الإنسان اتساقه الداخلي واستمراريته في الزمن، وهي التي تتيح للمجتمعات بناء سرديتها التاريخية. فحين يتعطل عمل الذاكرة، يتفكك المعنى وتختفي القدرة على الفهم، لأن التجربة تفقد جذورها، لأن الذاكرة ليست أرشيفًا للوقائع، بل فعل تأويلٍ مستمر يجعل الماضي حاضرًا في الوعي، والتذكّر في جوهره عملية إبداعية، يعيد الإنسان من خلالها بناء تجربته وتفسيرها وفق حاجات الحاضر. لذلك، حين تغيب الذاكرة، يغيب الوعي، وتتحول الحياة إلى زمنٍ منفصلٍ عن ذاته.
الحارة التي يتحدث عنها محفوظ تمثل نموذجًا رمزيًا لمجتمعٍ لا يحتفظ بتجاربه، يمرّ عبرها الزمن دون أن يترك أثرًا، لأن كل جيل يبدأ من جديد كأنه لم يرَ ما عاشه السابقون. فالأحداث الكبرى تُنسى، والمآسي تُدفن، والانكسارات تُعاد. وحين يصبح النسيان عادة، تتجمد القدرة على التعلم. الإنسان الذي لا يتذكّر لا يتطور، والمجتمع الذي ينسى تاريخه يعيش في حاضرٍ بلا جذور. الحارة، في هذا المعنى، هي استعارة لواقعٍ حضاريّ أوسع، حيث يغدو النسيان أسلوب حياة، لا حالة طارئة.
في الفلسفة السياسية، يُنظر إلى الذاكرة باعتبارها مجالًا للصراع، فالتاريخ لا يُروى ببراءة، بل يُعاد بناؤه باستمرار وفق موازين القوة، لأن السلطة تُدرك أن التحكم في الماضي يضمن السيطرة على المستقبل، لذلك تُعاد صياغة الذاكرة الجمعية بما يخدم مصالحها: تُمحى أحداث، وتُبرز أخرى، وتُنتج روايات جديدة لتبرير الحاضر. بهذا الشكل، يتحول النسيان إلى أداة سياسية، يُستخدم لإخماد الأسئلة، وتطبيع القهر، وتفريغ الوعي من طاقته النقدية، لأن من ينسى من ظلمه لا يطالب بحقه، ومن ينسى الخيانة يعيد الثقة في من خان، ومن ينسى الألم يعيش في وهم الاستقرار.
لكن لا يمكن فهم النسيان في بعده الإنساني إلا بوصفه ظاهرة مزدوجة، فالحياة تتطلب أحيانًا قدرة على النسيان كي تستمر، لأن من يحمل ذاكرة مثقلة بكل الجراح يعجز عن الحركة، والنسيان يمنح الكائن فرصة للشفاء، ويفتح الباب أمام بداية جديدة، غير أن هذا النوع من النسيان لا يقوم على الإنكار، بل على الفهم. فالإنسان لا يتحرر من ماضيه إلا بعد أن يواجههن والمصالحة مع الذات تمرّ عبر الذاكرة، لا عبر محوها، والنسيان الذي يحرر يعبر عن وعيٍ متجاوز، أما النسيان الذي يفتك فهو انقطاع عن الذات.
التاريخ من جهته ليس سلسلة من الأحداث المتراكمة، بل ذاكرة مشتركة تتجدد باستمرار، وهو مرآة الوعي الجمعي التي تعكس طريقة المجتمع في فهم ذاته، فحين يُختزل التاريخ في رواية واحدة، يفقد طاقته النقدية، ويتحوّل إلى أسطورة، والمجتمعات التي تتعامل مع الماضي بوصفه مادة تمجيدٍ دائم، أو تلك التي تمحوه بالكامل، تتوقف عن التقدّم. ومن ثمة، الذاكرة التاريخية تحتاج إلى أن تُمارس بوصفها نقدًا مستمرًا، لا بوصفها طقسًا من الحنين أو النسيان. فالتقدم يتحقق حين تتحول الذاكرة إلى وعي، والوعي إلى فعل.
في هذا الإطار، يمكن قراءة مقولة محفوظ بوصفها تحذيرًا من موت الذاكرة، لأن موت الذاكرة يؤدي إلى موت الوعي. فالإنسان الذي يعيش بلا تذكّر يفقد إحساسه بالزمن، فيتخلى عن مسؤوليته تجاه ما عاشه وما سيأتي، والذاكرة التي تتغذى من الفهم تصنع إنسانًا قادرًا على تجاوز ماضيه دون أن ينكره، وتمنح التاريخ معنى متجدّدًا، لا مجرد سجل للأحداث. إن النسيان في تجربة محفوظ لا يقتصر على الأفراد، بل يمتد إلى الوعي الجمعي الذي يرضى بإعادة إنتاج ذاته. فحين يغيب الوعي بالتاريخ، يتحوّل الإنسان إلى كائنٍ متكيف مع التكرار، ويصبح الحاضر امتدادًا للماضي دون وعيٍ به. الذاكرة ليست رفاهية فكرية، بل شرط للحرية، لأن من يتذكّر يعرف موقعه في العالم، ومن يعرف موقعه يملك القدرة على التغيير.
تعبير محفوظ عن “آفة الحارة” يتجاوز حدود الحكاية الأدبية إلى بيانٍ فلسفي حول مصير الإنسان حين ينفصل عن تاريخه، فالذاكرة تُبقي الوجود في حالة وعي، والنسيان يجرّده من المعنى. وكل مجتمعٍ يتقن فن التذكّر يمتلك مستقبله، لأن الذاكرة ليست امتدادًا للماضي فقط، بل أفقًا مفتوحًا نحو إمكانات جديدة، ومن يقدر على استحضار ما جرى بوعيٍ نقدي، يستطيع أن يكتب تاريخه من جديد دون أن يكرّر أخطاءه.
في الأخير، حينما قال محفوظ إن آفة الحارة هي النسيان، كان يشير إلى جوهر العطب الإنساني: أن نعيش دون أن نتذكّر، أن نتحرك دون وعيٍ بالزمن الذي نحمل في داخلنا. والنسيان في نهاية المطاف ليس فقدانًا للذكريات، بل فقدانًا للقدرة على أن نكون ما نحن عليه، والذاكرة، في معناها الأعمق، هي الشكل الوحيد الذي يستطيع الإنسان من خلاله أن ينتصر على الفناء.
من يتذكّر يظلّ حيّاً، ومن ينسى يبدأ موته منذ اللحظة الأولى.








