“التاريخ لا يعلّمنا ما نفعل، وإنما يعلّمنا لماذا نفعل ما نفعل.”
كيف يمكن للفقه أن يحمي الإيمان حينما تتحوّل السلطة إلى أداة اقتلاع ديني؟ وكيف يتصرّف الضمير الديني عندما يصبح الامتثال الظاهري شرطًا للبقاء؟ ثم كيف تُعاد صياغة العلاقة بين الشريعة والواقع عندما يُدفَع الإنسان إلى الاختيار بين الموت أو إنكار ذاته علنًا؟ تمثّل “فتوى وهران” إحدى أكثر اللحظات إشكالية وعمقًا في تاريخ الفكر الإسلامي، لأنّها وُلدت في سياق قهرٍ شامل، واضطهادٍ منظّم، وانهيارٍ فعلي لشروط العيش الديني العلني، فدفعت الفقه إلى حافة أسئلته القصوى.
صدرت فتوى وهران في غرة رجب سنة 910هـ /8 ديسمبر 1504م على يد الفقيه المالكي أبي العباس أحمد بن أبي جمعة المغراوي الوهراني، في لحظة تاريخية كان فيها المسلمون في الأندلس قد أجبروا على الحفاظ على معتقداتهم سرّاً، بعد أن أُغلقت كل إمكانات الوجود العلني للمسلمين عقب التحوّلات القسرية للمسيحية في مملكة غرناطة وقشتالة وأرغون بين سنتي 1500 و1502. إن الفتوى لم تكن جوابًا نظريًا، بقدر ما كانت استجابة وجودية لمعاناة جماعية، ولذلك جاءت محمّلة بوعي أخلاقي عميق، يُدرك أنّ الفقه حين ينفصل عن الواقع يتحوّل إلى عبء على الإنسان بدل أن يكون أفقًا للخلاص.
ينطلق الوهراني في فتواه من مبدأ مقاصدي واضح، قوامه حفظ النفس والدين معًا في شروط الاستحالة، لا في شروط الاختيار الحر. حيث أن الفتوى لا تُشرعن التحوّل العقدي، ولا تعترف بالمسيحية بوصفها بديلاً إيمانيًا، وإنما تميّز تمييزًا حاسمًا بين الظاهر القسري والباطن الحر. في هذا السياق، تُستعاد القاعدة الأصولية الكبرى: “إنما الأعمال بالنيات”، وهي القاعدة التي تحوّلت في الفتوى من مبدأ تعبّدي إلى أداة مقاومة صامتة. وقد ورد في نصّ الفتوى توجيه صريح إلى تثبيت النية الإسلامية في القلب، مهما فُرض على الجسد من طقوس مغايرة. يُعيد هذا المنظور تعريف مفهوم الالتزام الديني نفسه، فالصلاة كما تصوّرها الفتوى، لا تُختزل في صورتها الطقوسية الكاملة، وإنما تُردّ إلى جوهرها القلبي والإشاري عند العجز. وقد أقرّ الوهراني جواز الإيماء، أو الحركة الخفيفة، أو حتى القضاء الليلي، عندما تُمنع الصلاة في وقتها، وهو ما يعكس فهمًا مرنًا للعبادة بوصفها علاقة، لا مجرّد إجراء. وفي هذا الأفق، تتجلّى روح فقهية تقترب من مقولة الشاطبي في الموافقات حين أكّد أنّ “التكاليف إنما شُرعت لمصالح العباد في العاجل والآجل”.
علاوة على ذلك، الأمر الأكثر إثارة للجدل في الفتوى يتمثّل في إجازتها المشاركة الظاهرية في الطقوس المسيحية، بما في ذلك السجود أمام الرموز الدينية، أو التلفّظ بألفاظ تُعدّ كفرية في ظاهرها، شريطة توجيه النية داخليًا إلى الله، وتحويل المعنى في الضمير. هذه الرخصة لا تنبع من تساهل عقدي، بل من إدراك حاد لطبيعة الإكراه. فالقرآن نفسه يقرّر هذا المبدأ حين يقول: “إلّا من أُكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان”. إذن، الفتوى امتداد تأويلي لهذا النص لا خرق له. في هذا الإطار، تظهر فتوى وهران بوصفها قطيعة هادئة مع موقف فقهي سائد مثّله أحمد الونشريسي، الذي شدّد على وجوب الهجرة وحرمة البقاء في أرض يُمنع فيها إظهار الدين، غير أنّ الوهراني لا ينقض هذا الموقف نظريًا، بقدر ما يتجاوزه عمليًا، انطلاقًا من استحالة الهجرة الواقعية، ومن إدراكه أنّ التكليف بما لا يُطاق يُفضي إلى الهلاك الجماعي. بهذا، يتجلّى الفرق بين فقه المثال وفقه الكارثة، بين الفقه حين يُصاغ في شروط الاستقرار، والفقه حين يُكتب تحت سكين الاضطهاد.
وقد وصف المؤرخ ل. ب. هارفي في كتابه “إسبانيا الإسلامية من 1250 إلى 1500” فتوى وهران بأنّها “الوثيقة اللاهوتية الرئيسية لفهم الإسلام الإسباني بعد التحوّل القسري”، بينما رأى ديفين ستيوارت في دراسته ““مفتي وهران” أبو العباس أحمد بن أبي جمعة المغراوي الوهراني” أنّها تمثّل “انزياحًا جذريًا في التفكير القانوني الإسلامي تجاه مفهوم البقاء الديني تحت القهر”. أمّا مرسيدس غارسيا أرينال في كتابه “الشرق في إسبانيا: المسلمون المتحولون، وكتب الرصاص المزورة في غرناطة، وصعود الاستشراق” فقد اعتبرتها نصًا يؤسّس لنمط تدين قائم على النية، لا على الممارسة الظاهرة، وهو ما يفسّر نشوء أشكال هجينة من التدين الموريسكي استمرّت لأكثر من قرن.
فلسفيًا، تكشف فتوى وهران عن توتّر عميق بين الشريعة والسلطة، بين القانون والنجاة، بين الهوية والتمويه. إنّها تضعنا أمام سؤال أخلاقي حاد: هل يكون الإيمان في الإعلان أم في الاستمرار؟ وهل تُقاس العقيدة بالعلامات أم بالثبات الداخلي؟ في هذا المعنى، تلتقي الفتوى مع تصوّر حنّة آرندت عن الإنسان في ظل الأنظمة الشمولية، حين يصبح البقاء نفسه فعل مقاومة صامتة. تكتسب فتوى وهران معناها الفلسفي العميق حين تُقرأ في ضوء التفكير في العلاقة بين السلطة والضمير، وبين القانون والحياة. فقد نبّه باروخ سبينوزا في رسالة في اللاهوت والسياسة إلى أنّ “غاية الدولة ليست السيطرة على العقول، بل تحرير الإنسان من الخوف ليعيش آمنًا”، وهو قول يكشف المفارقة التي عاشها مسلمو الأندلس، حيث تحوّلت السلطة إلى أداة لإخضاع الضمائر لا لحمايتها. في هذا السياق، تصبح فتوى وهران تعبيرًا عن مقاومة صامتة، تحمي الداخل الإيماني حين يُصادر الخارج القهري.
كما تلتقي الفتوى مع ما ذهب إليه إيمانويل كانط في نقد العقل العملي حين أكّد أنّ “القيمة الأخلاقية للفعل لا تُقاس بنتيجته الظاهرة، بل بالنية التي تحرّكه”. فالنية في فتوى وهران، ليست عنصرًا ثانويًا، وإنما جوهر الدين ذاته، وهي التي تنقذ الفعل القسري من التحوّل إلى خيانة ذاتية. هكذا، يتحوّل الإيمان من ممارسة مرئية إلى موقف أخلاقي داخلي، ومن طقس جماعي إلى مقاومة فردية. ويُضيء هذا المسار أيضًا ما قاله هيغل في فينومينولوجيا الروح عن الوعي المقموع، حين اعتبر أنّ “الروح لا تُقهر بالقوة، بل تنسحب إلى باطنها لتعيد تشكيل ذاتها”. فالموريسكي كما تصوّره فتوى وهران، إنسان أُجبر على الانسحاب من المجال العام، غير أنّ هذا الانسحاب لم يكن هزيمة، بل إعادة تموضع للهوية في مستوى أعمق من السيطرة السياسية.
حتى في التراث الإسلامي الفلسفي، يمكن استحضار قول ابن رشد في فصل المقال إنّ “الشريعة حق، والحكمة حق، ولا يضادّ الحق الحق”، وهو قول يسمح بفهم الفتوى بوصفها التقاءً بين حكمة الواقع ونصّ الشريعة، لا خروجًا عنها. لأن الفقيه الوهراني لم يعطّل الشريعة، وإنما أعاد تأويلها في ضوء مقاصدها القصوى، حيث يصبح حفظ الإنسان شرطًا لحفظ الدين. بهذا الامتداد الفلسفي، تتجاوز فتوى وهران كونها وثيقة فقهية ظرفية، لتغدو نصًا أخلاقيًا عميقًا في تاريخ الفكر الإنساني، يُعيد طرح سؤال الإيمان تحت القهر، وحدود الطاعة، ومعنى النجاة حينما يُختزل الدين إلى صراع بين الظاهر والباطن. إنّها لحظة يلتقي فيها الفقه بالفلسفة، ويصبح الضمير آخر حصون الحرية. وفيما يلي الدروس المستفادة من فتوى وهران:
- تكشف فتوى وهران أنّ الفقه لا يعيش خارج التاريخ، بل يتشكّل داخل شروطه القاسية، وأنّ الجمود الفقهي في لحظات الاضطهاد يتحوّل من التزام ديني إلى أداة إهلاك.
- تؤسّس الفتوى لتمييز حاسم بين الإيمان بوصفه قناعة داخلية، والتديّن بوصفه ممارسة ظاهرة، بما يجعل النيّة جوهر الالتزام حين تُصادَر الحرية الدينية.
- تؤكد الفتوى أنّ مقاصد الشريعة تتقدّم على صور الأحكام عند التعارض، وأنّ حفظ النفس شرط سابق لحفظ الشعيرة.
- تبرز الفتوى أنّ الإكراه يغيّر طبيعة التكليف، وأنّ المسؤولية الأخلاقية لا تُقاس بالفعل القسري، بل بالموقف الداخلي من الفعل.
- تعيد الفتوى تعريف مفهوم الطاعة الدينية، فتصبح الطاعة التزامًا بالمعنى لا بالشكل، وبالجوهر لا بالمظهر.
- تبيّن الفتوى أنّ البقاء قد يكون شكلًا من أشكال المقاومة، حين يصبح الموت أو الهجرة مستحيلين واقعًا.
- تظهر الفتوى أنّ الهوية الدينية يمكن أن تستمر في السرّ حين تُستهدف في العلن، وأنّ الاضطهاد لا يؤدي بالضرورة إلى الذوبان العقدي.
- تكشف الفتوى حدود السلطة السياسية على الضمير، وتؤكد أنّ القهر قد يسيطر على الجسد دون أن يمتلك الإيمان.
- تقدّم الفتوى نموذجًا مبكرًا لأخلاقيات العيش تحت الاستبداد، حيث يصبح التحايل الواعي أداة لحماية الكرامة لا خيانة للقيم.
- توضّح الفتوى خطورة الفتاوى المجرّدة من الواقع، وتنتقد ضمنيًا الفقه الذي يطالب بالتضحية الجماعية باسم المثال الديني.
- تبيّن الفتوى أنّ الاجتهاد الحقّ لا يكمن في تكرار الأحكام، بل في إعادة تأويلها بما يحفظ الإنسان والمعنى.
- تؤكد الفتوى أنّ التاريخ ليس حقلًا للسرد فقط، بل مختبرًا أخلاقيًا يكشف مرونة الفكر الديني وقدرته على الصمود.
في الأخير، لا يمكن قراءة فتوى وهران بوصفها استثناءً في تاريخ الفقه الإسلامي، وإنما بوصفها شهادة على قدرة العقل الإسلامي على إعادة بناء ذاته في لحظات الانكسار القصوى. إنّها فقه الضرورة حينما يتحوّل إلى فقه كرامة، وفقه السرّ حينما يصبح ملاذًا أخلاقيًا…، ومن دون فهم هذه الفتوى، يستحيل فهم تجربة الموريسكيين، أو إدراك كيف يمكن للدين أن يعيش حينما يُدفن في العلن ويُبعث في الضمير.








