كاتم الصوت.. صمت يصرخ في وجه الحياة

نعم، من الوهلة الاولى عرفته، انه كاتم صوت. وقد تتعجبون كيف لي معرفة ذلك، بالرغم من كوني لست ذي خبرة في الأسلحة، إلا ما نذر أثناء لعبة فيديو قتالية، أو فيلم حربي. لكنني تأكدت، أن الذي أمامي لا يعدو إلا كونه كاتم صوت. تربصت به قبل أن يفعل بي ذلك. وحاذرت ألا يعرف أنني أقتفي أثره، كلما عبر زقاقا كنت أنا في ناصيته. تحينت جميع الفرص التي تتيح لي أن أكون متلصصا من طينة جهاز المخابرات، في ممشاه بهندامه الأنيق تارة، وهندامه الذي يشبهنا في أحايين أخرى عاديا؛ سروال دجينز وجاكيت. وبأسماله في بعض المرات، كنت أتتبعه بحذر المقاتل الذي يراوغ مقذوفات طائشة قد تصيبه. على بعد ميليمتر عندما تخفيت أنا الآخر، تأكدت أن الذي أمامي فعلا كاتم صوت.. قرب مسجد السوق حيث عربات الخضر والفواكه، شاهدته واقفا. كان يمشي صوب تجمهر للناس بكياسة، يفرك شعره، يمط شفتيه الغليظتين، ويمدد فقرات ظهره بحركات شبه رياضية، قد تتعجبون من أن كاتم صوت يحمل مواصفات بشرية مثلنا، غير أنه كذلك، بشر مع الأسف.

عندما وصل التجمهر قرب عربة لبيع البطاطس والأفوكادو، أزاح له الناس الطريق، لم تكن له عصى النبي موسى ليضرب بها، لقد شق التجمهر نصفين، وبعد ثواني معدودة ذهب كل إلى حال سبيله، وتعالت أصوات الباعة من جديد. وقتها شاهدته، يمسك بكتف سيدة في الثلاثين من عمرها، خمنت أنها قد تكون في أواخر عقدها الثالث. اجلسها على درج حانوت لبيع مواد البناء، وأفهمها أنه مهما كان الثمن مرتفعا، فلا يحق لها أن تحتج وهذا راجع لسببين؛ أولهما أنها سوف تجعل المدينة على صفيح ساخن، وثانيهما أن صوتها عورة، ولا يمكن للأنثى أن ترفع صوتها. بعدها تأفف وجحدها بنظرته، عجبا لك وأنت تزاحمين بعجيزتك في هذا الزحام الباعة. ولكم أن تعرفوا كيف صارت وديعة، ذهبت صوب بائع الطماطم، قبلت رأسه واعتذرت، ثم اقتنت كيلوغرام منها بالثمن الذي احتجت عليه “ثمانية دراهم”.

إقرأ المزيد:  تأملات في فلسفة التاريخ

جف حلقي، تصببت عرقا في شهر أبريل/نيسان، وعدلت عن تتبعه لولا قهقهته التي سمعتها من بعيد. لقد كان يعرف جيدا خطره، وربما لديه حاسة سادسة. فكلما عبر زقاقا أو شارعا وقف في أول استدارة له، أطال عنقه كدجاجة وكثر التفاته كأنه ينتظر هذا الذي يخاتل في مشيه يتلصص عليه. لكنني ابن الجامعة كنت، عرفت جيدا كيف يمكنني أن أتتبع الذين أريد بهم شيئا أو الذين كنت أريد بهم نسفا.

ونحن في طريقنا باتجاه شارع فرنسا، هو يمشي لا يلوي على شيء وأنا أتبعه. عندما وجد عاملا وقد حوط عنق رب عمله بكلتا يديه يريد قتله غضبا بعدما أكل عرق جبينه اسبوعين متتاليين مدعيا أنه كان فقط في تجربة قبل أن يبدأ العمل رسميا؛ ينزل البضائع من الشاحنات ويمدها للزبائن. وضع كاتم الصوت يده على ساعد العامل، ربت عليها. ونهره عندما لم يجدي تريثه شيئا. “كيف تجرؤ على فعل هذا، إذا قتلته من يشغل خمسة عمال، بهذا تكون قد قطعت رزق خمسة عوائل” بعدها هدأ صاحبنا، وكبح غضبه. صحيح أن لم يقبل رب العمل لكنه كما يقول المثل المغربي “سمح فالجمل او ما جمل”.

لقد تذكرت مشهدا من رواية لنجيب الكيلاني “عمر يظهر في القدس” من أول الروايات التي قرأت وأنا في الصف الثالث اعدادي. غير أن عمر في الرواية كان جهد ايمانه يحاول محاربة القهر، وقد حضرني مشهد من الرواية حينما حمل عصاه صوب عاشقين. كاتم الصوت هذا عكسه تماما، يحمل عصاه صوب المقهورين فقط بالرغم من أنه منهم. ربما يمكننا أن نسمي المشهد خاصته استلابا.

يوما شاهدته بأسماله، لم أتعرف عليه وقتها. وظننت أن الزمن قذف به كجيفة، لكنه لم يتورع في مهنته القديمة، كاتم صوت. وبالرغم من مجاورته لباب السوق الغربي حيث اختاره مكانا للتسول. شارك في اخماد سورة غضب التجار عندما احتجوا على اغلاق السوق سويعات في اليوم لأجل تصوير لقطة فيلم. بدأ يعرج في مشيته مثلما صور الأصمعي الحمار وهو يمشي على ثلاثة في قصيدته “صوت صفير البلبل”. وبدأ في التراشق بحججه ووعيده من الأيام القادمة التي لا ترحم، وحث الجميع على ضبط النفس. وبقدرة قادر، عجز عنها رئيس البلدية والباشا ومدير الإنتاج، قاد كاتم الصوت أصحاب الدكاكين إلى أكل الاسفنج ورشف الشاي دون أنة ولا احتجاج.

إقرأ المزيد:  الذات الفاعلة بين الشعر والفلسفة: محمد إقبال وإعادة تخيّل الوعي الإسلامي

وكاتم الصوت هذا، يمكن ان نصادفه في حياتنا كثيرا، لا يحمل مسدسا، لكنه هو بدوره رشاش يقمع كل شيء فينا. الغريب في الامر كله أن الذي يقوم بهذا الفعل لا يستفيد منه أبدا. يخدم به أولياء نعمته، ويحدث في مرات عدة أنه يقوم بالفعل كتزلف لشخص ما. وفي أحايين كثيرة يصير الفعل لصيقا به دون أن يحقق به أي مراد. وربما قد يكون كاتم الصوت هذا أنا أو أحد ما يقرأ هذا النص في سكينة وسلام.