«حينما تُقاد الشعوب إلى الانشغال الدائم بتأمين قوتها، تُصبح المعرفة آخر ما يمكن أن يزدهر في أرواحهم؛ فالعقل يحتاج إلى فسحة من الأمان كي يطلب الحقيقة»
في الأزمنة الحديثة يُطرح سؤال قاسٍ لكنه ضروري: لماذا يظهر أنّ الفقراء اليوم أقلّ اهتمامًا بالتعلّم والمعرفة، رغم أنّها الوسيلة الأوضح للخلاص الفردي والجماعي؟ وهل هذا الامتناع موقف حرّ أم نتيجة لبنية اجتماعية خانقة تحوّل المعرفة إلى رفاهية؟ وهل يمكن للإنسان أن يكون طالبًا للحقيقة وهو منشغل بـ”الحصول على الخبز” لا بـ”التفكير في معنى الخبز”؟ يقتضي التفكير الفلسفي تفكيك هذا السؤال بعيدًا عن الأحكام المسبقة. فالفقراء – في معناهم الاجتماعي لا الأخلاقي – يعيشون ضمن شروط تجعل علاقتهم بالمعرفة علاقة اضطرارية، لا خيارية. هنا نستعيد عبارة باولو فريري في كتابه “تعليم المقهورين”: “القهر لا يقتل القدرة على التفكير، لكنه يسرق الوقت اللازم للتفكير”. أي أن المشكلة ليست غياب العقل، بقدر ما هي غياب الزمن الذي يسمح للعقل أن يعمل.
في مجتمعات يُعاد فيها إنتاج الفقر عبر آليات ثابتة، يصبح الزمن ملكًا للبقاء لا للفهم، حيث يعيش الفقير ضغوط العمل الهشّ، القروض الصغيرة، التكلفة المتصاعدة للحياة، الخوف اليومي من فقدان ما تبقّى من الأمان…، كل هذا يحوّل المعرفة إلى ترف لا يحتمله الفقراء. وكما قال هربرت ماركوزه: “حين يصبح الإنسان أسير الضرورة، يفقد قدرته على إدراك الإمكان”، يقصد بالإمكان هنا هو التعلم، والضرورة هي الجوع والقلق من المستقبل. يُضاف إلى ذلك أنّ المدرسة – بوصفها مؤسسة – فقدت وظيفتها التحريرية في كثير من السياقات، وأصبحت قناة لإعادة إنتاج التراتبية الطبقية. لأن الفقراء يشعرون أن النظام التعليمي لا يخاطبهم، ولا يَعِدُهم بأي تغيير حقيقي. كما إنّهم يدركون عميقًا ما عبّر عنه بيير بورديو بوضوح: “المدرسة تكافئ من وُلدوا أصلاً مزوّدين بما تطلبه المدرسة”، وبالتالي: المعرفة تُرى لا كأفق، بقدر ما ترى كحائط من الخرسانة المسلحة التي لا يمكن اختراقها، أو بتعبير أخرى تصبح كسد “يأجوج ومأجوج” الذي بناه “ذو القرنين”.
علاوة على ذلك، فمن أسباب النفور أيضًا أنّ المعرفة المعاصرة قُدّمت بوصفها خطابًا مغلقًا، لا بوصفها مشروعًا للتمكين. إذ استحوذت الطبقات الميسورة على رموز الثقافة: الكتب، الندوات، اللغات الأجنبية، أدوات التعبير…، حيث تحوّل كل ذلك إلى رأس مال رمزي لا يقدر عليه الفقراء. كما كتب نيتشه: “الكلمات الرفيعة لا تقول شيئًا لمن لم تُصنع الكلمات من أجلهم”. هكذا تغدو المعرفة مساحة مستعمرة لغويًا وثقافيًا، لا مجالًا حيًا يمكن لذوي الدخل المحدود الدخول إليه دون شعور بالدونية أو العجز.
يعيش الفقراء – مثل الجميع – داخل عالم رقمي مفرط في السطحية، حيث تُختزل المعرفة في فيديو قصير “ريلز” أو منشور تحفيزي على وسائل التواصل الاجتماعي. لكن تأثير هذا التبسيط أشدّ قسوة على الطبقات الدنيا، لأنها ترى في السوشيال ميديا بديلاً للتعلم وبديلاً للمدرسة وبديلاً للكتاب. فالمنصات تُنتج وهمًا مفاده: “لست بحاجة إلى المعرفة، وإنما إلى مهارة سريعة أو محتوى خفيف”. وهذا ينسجم مع ما قاله نيل بوستمان: “نحن نغرق في المعلومات، ونفتقر إلى المعنى”.
إن التجارب اليومية للفقراء مع المثقفين، والنخب، والسياسة، والمؤسسات…، تُفرز شعورًا بأنّ “العارف” ليس بالضرورة “العادل”. لأن المعرفة تُستعمل أحيانًا لتبرير الظلم، أو لإدارة الموارد على نحو يزيد الفقير فقرًا. ومتى غابت العدالة انكسرت الثقة، ومتى انكسرت الثقة تراجعت الرغبة في التعلّم. ولعل هذا ما قصده إيمانويل كانط حين قال: “لا معنى للمعرفة حين تُستخدم لغايات لا أخلاقية”.
عند تحليل الواقع المر بعمق، يتبيّن أن السؤال نفسه مضلِّل، لأن الفقراء لا يرفضون المعرفة، بقدر ما يرفضون شكل المعرفة كما تُعرَض عليهم: معرفة بعيدة عن حياتهم، لا تُنتج حلًّا لأوجاعهم، ولا تُحسّن شروط وجودهم…، والدليل على ذلك أنّ الفقراء يتعلمون باستمرار في “مدرسة الحياة”: يتعلمون الحرفة، السوق، الاقتصاد اليومي، التفاوض، النجاة…، لكن هذه المعارف لا تُسمّى “ثقافة” في الخطاب السائد لأنها لا تحمل ختم النخبة!
وبهذا، لا يكون الحل في لوم الفقراء، وإنما في إعادة بناء علاقة عادلة بين المعرفة والحياة. أي أن المعرفة التي لا تساهم في التخفيف من الألم، ولا تمنح الإنسان أدوات للكرامة، تصبح بالنسبة إلى المهمشين عبئًا. فكما قال جون ديوي: “التعليم ليس إعدادًا للحياة، بل هو الحياة نفسها”، وعندما يحس الفقير أن المعرفة جزء من حياته، لا أداة ضده، ستزداد الرغبة في التعلم كما كان في السنوات ما قبل الألفية الثانية.
في الأخير، إن الفقراء لا يبتعدون عن المعرفة طوعًا، بقدر ما تُبعدهم البنية الاجتماعية عنها. حيث يُقصيهم الزمن، وتقصيهم المؤسسات، ويقصيهم الخطاب النخبوي، وتقف التكنولوجيا حاجزًا بين الحاجة إلى الفهم وبين القدرة على الفهم. وحتى يُعاد بناء الإيمان بالمعنى “المعرفة في ذاتها”، يجب أن تتحرر المعرفة من طبقتها الاجتماعية، وأن تتحول من سلطة إلى أفق. عندها فقط يمكن إعادة صياغة السؤال بطريقة عادلة: ليس “لماذا لا يريد الفقراء أن يتعلموا؟” وإنما “كيف يمكن للمعرفة أن تصبح حقًا أعمق من الخبز، ووسيلة للعيش لا للتمييز؟”.








