“القوة العظمى التي تبلغ ذروة نفوذها تميل إلى الإفراط في التمدد، وهو ما يحمل في داخله بذور تراجعها.”
بول كينيدي، صعود وسقوط القوى العظمى (The Rise and Fall of the Great Powers)
كيف تحولت الولايات المتحدة من فضاء جغرافي مكتشف على هامش الإمبراطوريات الأوروبية إلى قوة كونية تُعيد تشكيل موازين النظام الدولي؟ ما العلاقة بين الاكتشاف الجغرافي والاستيطان والعنف التأسيسي في بناء الدولة الأمريكية الحديثة؟ إلى أي حد مثّل إعلان الاستقلال قطيعة حقيقية مع المنطق الإمبراطوري، وإلى أي حد أعاد إنتاجه في صيغة جديدة؟ كيف أسهمت الحرب الأهلية والتوسع الإقليمي وضم الأراضي في ترسيخ تصور أمريكي خاص للدولة والقدر التاريخي؟ ما دور الثورة الصناعية، واكتشاف البترول، والحربين العالميتين في نقل الولايات المتحدة من قوة صاعدة إلى مركز للنظام الرأسمالي العالمي؟ كيف أعادت الحرب الباردة وصراعاتها في كوريا وفيتنام تعريف التدخل العسكري بوصفه أداة لإدارة العالم؟ وماذا يكشف الانتقال من الهيمنة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي إلى الحروب في الشرق الأوسط، والدعم المطلق لإسرائيل، واعتقال قادة دول مثل نيكولاس مادورو، عن طبيعة القوة الأمريكية وحدودها في عالم يتجه نحو تعددية قطبية؟
تشكلت الولايات المتحدة الأمريكية عبر مسار تاريخي طويل تداخلت فيه الجغرافيا بالاكتشاف، والقوة بالاقتصاد، والفكرة الدينية بالخيال السياسي، حتى تحولت من مستعمرة على هامش العالم الأطلسي إلى فاعل مركزي في النظام الدولي. هذا التشكل لم يكن خطًّا مستقيمًا، وإنما سلسلة من القطيعات والتحولات التي أعادت تعريف معنى الدولة، والسلطة، والدور العالمي. بدأ المسار مع الاكتشافات الجغرافية الأوروبية للعالم الجديد في أواخر القرن الخامس عشر، حيث تشكل الفضاء الأمريكي كامتداد للمشروع الاستعماري الأوروبي. في هذا الصدد، فالأرض لم تُقرأ كحيز تعايش، وإنما كفرصة توسع واستيطان، وهو ما أرسى مبكرًا علاقة خاصة مع العنف والموارد. يشير جون لوك في كتابه “مقالتان في الحكم” إلى أن امتلاك الأرض يتحقق عبر العمل عليها، وهي فكرة وفرت غطاءً فلسفيًا للاستيلاء على أراضي السكان الأصليين وتحويل الجغرافيا إلى ملكية سياسية.
إن إعلان الاستقلال سنة 1776 مثّل لحظة مفصلية في هذا التكوين. فقد صاغ الآباء المؤسسون سردية جديدة تقوم على الحرية والتمثيل السياسي عبر المؤسسات الديمقراطية، في قطيعة رمزية مع التاج البريطاني. يقول توماس جيفرسون (أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة): «جميع البشر خُلقوا متساوين، وقد وُهبوا حقوقًا غير قابلة للتصرف» (إعلان الاستقلال). هذه العبارة حملت وعدًا كونيًا، غير أن تطبيقها ظل محكومًا بتوازنات العرق والاقتصاد والسلطة، وهو ما فجّر لاحقًا تناقضات بنيوية في الداخل الأمريكي. وقد جاءت الحرب الأهلية الأمريكية في الفترة الممتدة من عام 1861 إلى 1865 كتجسيد دموي لهذا التناقض. حيث أن الصراع بين الشمال الصناعي والجنوب الزراعي القائم على العبودية أعاد تعريف معنى الاتحاد والدولة. في خطاب غيتيسبيرغ، قال أبراهام لينكولن (الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأمريكية في الفترة ما بين 1861م إلى 1865) إن الأمة تخوض اختبارًا لمعرفة ما إذا كانت «أي أمة وُلدت على فكرة الحرية قادرة على البقاء». لقد رسخت الحرب الأهلية مركزية الدولة الفدرالية، وفتحت الطريق أمام صعود الولايات المتحدة كقوة صناعية موحدة.
في القرن التاسع عشر، توسعت الولايات المتحدة غربًا عبر ضم أجزاء واسعة من المكسيك بعد حرب 1846–1848، في سياق ما عُرف بـ«القدر المتجلي Manifest destiny»، وهو تصور يرى أن التوسع حق تاريخي وأخلاقي. هذا التوسع لم يكن جغرافيًا فقط، وإنما تأسيسًا لعقلية تعتبر المجال الحيوي شرطًا للقوة. لاحقًا، امتد هذا المنطق خارج القارة عبر السيطرة على الفلبين وجزر في المحيط الهادئ، إيذانًا بدخول الولايات المتحدة عصر الإمبراطورية البحرية. تزامن هذا التوسع مع الثورة الصناعية والاختراعات الكبرى، من السكك الحديدية إلى الكهرباء، ثم اكتشاف البترول الذي غيّر بنية الاقتصاد والسياسة. حيث أن النفط لم يتحول إلى مصدر طاقة فحسب، وإنما إلى ركيزة للنفوذ العالمي. يرى دانييل يرغن في كتابه “الجائزة: ملحمة البحث عن النفط والمال والسلطة من بابل إلى بوش” أن السيطرة على الطاقة تعني السيطرة على إيقاع التاريخ الحديث.
علاوة على ذلك، شكّلتا الحربان العالميتان منعطفًا حاسمًا. فالحرب العالمية الأولى أدخلت الولايات المتحدة إلى المسرح الدولي، بينما الحرب العالمية الثانية جعلتها القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى. كما أن أزمة 1929 كشفت هشاشة الرأسمالية الصناعية، غير أن «الصفقة الجديدة New Deal» أعادت بناء العلاقة بين الدولة والسوق. قال فرانكلين روزفلت (رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الثاني والثلاثون من 1933 إلى 1945) إن «الديمقراطية لا يمكن أن تنجو حين يتحكم الجوع والخوف في البشر»، وهو تصور ربط الاستقرار الداخلي بالدور العالمي. خلال الحرب الباردة، أعادت الولايات المتحدة تعريف نفسها كقائدة للعالم الرأسمالي في مواجهة الاتحاد السوفياتي. فالتدخل في كوريا ثم فيتنام عكس تصورًا يرى الصراع الأيديولوجي معركة وجود. يؤكد جورج كينان على أن احتواء الخصم يتطلب صبرًا طويلًا واستراتيجية شاملة (The Sources of Soviet Conduct). غير أن هذه التدخلات أظهرت حدود القوة العسكرية في فرض النماذج السياسية.
بعد سقوط الاتحاد السوفياتي سنة 1991، دخلت الولايات المتحدة مرحلة الهيمنة المنفردة “الأحادية القطبية”. وقد رسخت حرب الخليج الثانية حضورها العسكري في الشرق الأوسط، ثم جاءت الحرب على أفغانستان والعراق تحت شعار الحرب على الإرهاب، لإعادة تشكيل الخرائط السياسية بالقوة. كما أن التدخل في سوريا، والدعم المطلق لإسرائيل في حرب غزة، والضربات الموجهة ضد إيران، تعكس استمرار منطق إدارة العالم عبر القوة والردع، مع تآكل متزايد للشرعية الدولية (الأمم المتحدة ومؤسساتها والقانون الدولي). في هذا السياق، برز توظيف القضاء والعقوبات في السياسة الخارجية، عبر ملاحقة قادة دول واتهامهم ومحاولة عزلهم، كما في الحالة الفنزويلية مع اعتقال نيكولاس مادورو في مطلع عام 2026. هذه الممارسة تكشف تصورًا يرى أن الشرعية تُمنح أو تُسحب من خارج الحدود الوطنية. يحلل هانز مورغنثاو هذا المنحى بقوله إن السياسة الدولية تظل «صراعًا دائمًا على القوة مهما تغيرت لغتها» (Politics Among Nations).
ومن أهم الدروس المستفادة من هذا المسار التاريخي، هي:
- تشكّل الولايات المتحدة ارتكز منذ بداياته على تفاعل بنيوي بين الجغرافيا والقوة، حيث تحوّل الاكتشاف والاستيطان والتوسع الإقليمي إلى عناصر تأسيسية في بناء الدولة والهوية السياسية.
- حمل إعلان الاستقلال خطابًا كونيًا عن الحرية وحقوق الإنسان، غير أن المسار التاريخي كشف توترًا دائمًا بين القيم المعلنة وممارسات التوسع والإقصاء داخليًا وخارجيًا.
- أعادت الحرب الأهلية تعريف الدولة الفدرالية بوصفها سلطة مركزية قادرة على فرض الوحدة، ومهّدت لصعود الولايات المتحدة كقوة صناعية موحدة.
- دشّن التوسع خارج القارة الأمريكية، من المكسيك إلى الفلبين والمحيط الهادئ، انتقال الولايات المتحدة من دولة قومية إلى قوة إمبراطورية ذات طموح عالمي.
- شكّلت الثورة الصناعية، واكتشاف البترول، والتحكم في مصادر الطاقة الأساس المادي للهيمنة الاقتصادية والعسكرية.
- أبرزت الحروب العالمية وأزمة 1929 قدرة الدولة الأمريكية على إعادة تنظيم الرأسمالية، وربط الاستقرار الداخلي بالدور الخارجي.
- رسخت الحرب الباردة التدخل العسكري بوصفه أداة لإدارة الصراع الأيديولوجي، وكشفت في الوقت ذاته حدود القوة الصلبة في فرض النماذج السياسية.
- أظهرت مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي انتقال الهيمنة من التوازن إلى الانفراد، مع تصاعد الحروب الاستباقية وتسييس القانون الدولي والعقوبات الاقتصادية وملاحقة قادة الدول.
ومن خلال ما سبق، نستنتج الآتي:
- استمرار تراجع الهيمنة الأمريكية الأحادية، مع صعود نظام دولي متعدد الأقطاب تتوزع فيه القوة بين الولايات المتحدة، الصين، روسيا، وقوى إقليمية صاعدة.
- انتقال الصراع الدولي نحو أشكال مركّبة تجمع بين الاقتصاد، التكنولوجيا، الطاقة، والمعرفة، مع بقاء التدخل العسكري حاضرًا بصيغ أقل مباشرة.
- تصاعد التوتر في مناطق الاحتكاك الكبرى، خاصة شرق آسيا والشرق الأوسط، بوصفها ساحات اختبار لمصداقية الردع الأمريكي.
- تعمّق أزمة الشرعية الدولية، مع استمرار توظيف القانون والمؤسسات العالمية وفق منطق القوة، ما يعزّز النزعات السيادية والتحالفات البديلة.
- إعادة تعريف الدور الأمريكي بين خيار التكيّف مع عالم متعدد المراكز، أو الاستمرار في إعادة إنتاج منطق التوسع والردع بما يحمله من كلفة استراتيجية وأخلاقية.
- بروز فرص أمام دول الهامش “الجنوب العالمي” لإعادة التموضع وبناء مسارات مستقلة نسبيًا، مستفيدة من تراجع المركزية الأمريكية وتعدد الشراكات العالمية.
في الأخير، إن تتبع هذا المسار التاريخي يكشف أن تشكّل الولايات المتحدة قام على جدلية معقّدة بين الفكرة والقوة، حيث ترافقت القيم المؤسسة حول الحرية والاستقلال مع توسّع جغرافي، واقتصادي، وعسكري أعاد باستمرار تعريف معنى تلك القيم في الممارسة. فالاقتصاد لم يكن قاعدة مادية محايدة، وإنما أداة لإعادة ترتيب المجال العالمي، كما أن التوسع لم يكن حدثًا عرضيًا، بل منطقًا بنيويًا رافق تشكّل الدولة منذ لحظتها التأسيسية. وضمن هذا المسار، ظل الخطاب الأخلاقي حاضرًا بوصفه لغة شرعنة، بينما مارست القوة الصلبة دورها في فرض الوقائع وصياغة التوازنات.
إن الدولة التي وُلدت من رفض الإمبراطورية الأوروبية تحولت، مع الزمن، إلى مركز نفوذ عالمي يعيد إنتاج أنماط الهيمنة بصيغ جديدة، حاملةً معها تناقضاتها إلى كل ساحة تتدخل فيها، من أمريكا اللاتينية إلى آسيا، ومن الشرق الأوسط إلى الفضاء السيبراني. هذه التحولات لا تعبّر عن انحراف طارئ، وإنما عن منطق تاريخي يرى في القوة أداة لإدارة العالم، وفي التفوق الاقتصادي والتكنولوجي ضمانة للقيادة السياسية. غير أن هذا المنطق يواجه اليوم حدودًا بنيوية واضحة، مع صعود قوى منافسة، وتآكل الشرعية الدولية، وتغيّر طبيعة الصراع في عالم لم يعد يقبل مركزًا واحدًا للقرار والمعنى.
يبقى السؤال الفلسفي مفتوحًا حول قدرة الولايات المتحدة على إعادة تعريف دورها ضمن نظام دولي متعدد الأقطاب، يقوم على التوازن والاعتراف المتبادل، لا على فرض الإرادة وتوسيع المجال الحيوي. فإما أن تنخرط هذه القوة في مراجعة تاريخية عميقة تعيد وصل الفكرة بالممارسة، وتحدّ من منطق التوسع القسري، وإما أن تستمر في إعادة إنتاج تاريخها باعتباره قدرًا كونيًا، في عالم تتغير فيه موازين القوة بسرعة، وتتصدع فيه الأسس السياسية والاقتصادية والأخلاقية التي قامت عليها هيمنتها. وفي هذا المفترق، لا يتحدد مصير الولايات المتحدة وحدها، بقدر ما يتحدد معه شكل النظام العالمي القادم، وحدود إمكان قيام عالم أقل خضوعًا لمنطق القوة وأكثر انفتاحًا على التعدد والعدالة والإنصاف.
****
لتحميل التحليل الثالث لمدونة الهامش أنقر على الرابط التالي: تنزيل المقال








