من الغريزة إلى المعنى: فلسفة البدايات الأولى للمجتمع

كل مجتمعٍ هو ذاكرةُ خوفٍ قديمٍ تحوّل إلى حاجةٍ للأمان، ثم إلى معنى للوجود؛ فالإنسان لم يجتمع لأنه قوي، بل لأنه كان ضعيفًا أمام الطبيعة، فاختار أن يكون مع الآخرين ليصير إنسانًا.”

هل يولد الإنسان اجتماعيًا بالفطرة، أم أنه يُدفع إلى الاجتماع خوفًا من العزلة والموت؟ إنّ هذا السؤال يفتح بابًا فلسفيًا عميقًا للتأمل في أصل الاجتماع الإنساني، وفي الكيفية التي تحوّل بها الكائن الفرد إلى كائنٍ اجتماعي. وكما قال أرسطو “الإنسان حيوانٌ مدنيّ بالطبع”، أي أنه لا يكتمل إلا في جماعة. ومع ذلك، فإنّ الطبيعة الأولى للحياة لم تكن جماعية، بل كانت انعزالًا وغريزةً للبقاء. فالحيوان كما يلاحظ علماء الأحياء، ميّال إلى الانفراد لأن الاجتماع يجلب الندرة والمنافسة، ويجعل القوت صعب المنال.

ومع هذا، كان الخوف هو القوة التي دفعت الكائن إلى الاجتماع. قال توماس هوبز: “حيث لا سلطة، لا أمان، وحيث لا أمان، لا مجتمع”. فالمجتمع إذن لم يولد من المحبة، بل من الفزع، من إدراك الإنسان لعجزه أمام الطبيعة والعدو “الأخر”، ومن هذه الحاجة خرجت الشرارة الأولى للوعي الجمعي، حين أدرك أن الاتحاد يمنح ما لا تمنحه القوة الفردية: الأمان والاستمرار.

وإذا كان الاجتماع البشري قد بدأ اضطرارًا، فإنّ العاطفة كانت رحمَه الأول، حيث أن العائلة الأمومية، لا الأبوية، كانت أصل المجتمع، في هذا الصدد قال جان جاك روسو: “الأسرة هي النموذج الأول للمجتمع السياسي”. فالأم كانت أصل الحياة والانتماء، هي التي غرست في الوعي الإنساني فكرة الرحمة والقرابة، وهي التي جعلت الطفل يعرف الحبّ قبل أن يعرف اللغة، ومن هذا الارتباط العاطفي وُلدت أولى أشكال التضامن الاجتماعي.

لقد كان الانتساب للأم هو القاعدة الأولى للعلاقة البشرية، إذ كانت المرأة محور الجماعة، والرحمُ رمزًا للحياة والقرابة، وحتى اللغة حفظت هذا الأثر، فكلمة “رحمة” مشتقة من “الرحم”، وكأنّ العطف الإنساني ما هو إلا امتداد لغريزة الأمومة الأولى. ومن هذا الأصل العاطفي نشأ المجتمع الحيواني ثم البشري، لا من حسابٍ عقلي، بل من الحنين إلى الدفء في وجه قسوة العالم.

إقرأ المزيد:  في الحاجة إلى فلسفة التاريخ في عصر التحولات الكبرى

ثم جاءت الزراعة لتعيد تشكيل البنية الإنسانية. فبعد حياة الترحال والصيد، استقر الإنسان في الأرض، وغرس فيها بذرته كما غرس جذوره في التاريخ. ومع الاستقرار وُلد النظام الأبوي، وصار الرجل هو رأس العائلة ومالك الأرض. لقد انتقل المجتمع من رابطة الأم إلى سلطة الأب، ومن نظام يقوم على المشاركة إلى نظام يقوم على السيطرة. وهكذا، كما يقول فريدريك إنجلز، “ظهر أول اضطهاد طبقي في التاريخ، وهو اضطهاد الرجل للمرأة”.

لكن التحول من الأمومة إلى الأبوة لم يُلغِ الأصل الأول؛ بل أخفاه تحت أنقاض الحضارة. فما زال المجتمع الحديث يحمل في جوهره بقايا من العائلة الأولى، من تلك الألفة البدائية التي جعلت الإنسان يكتشف في الآخر امتدادًا لذاته. فكل مؤسساتنا الحديثة – من الدولة إلى المدرسة إلى الوطن – ليست سوى أشكال متطورة من الحاجة القديمة إلى الحماية والانتماء.

ومع تطور الوعي، تحولت الحاجة إلى الآخر من ضرورة بيولوجية إلى قيمة أخلاقية، في هذا الإطار قال إيمانويل كانط: “اعمل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص غيرك دائمًا كغاية لا كوسيلة”. هذا المبدأ الأخلاقي هو الثمرة العليا لنشأة الاجتماع، إذ صار الإنسان لا يبحث عن الأمان فقط، بل عن معنى وجوده داخل الجماعة، عن اعترافٍ متبادل يحرّره من العزلة الوجودية.

من ثمة، يمكن القول إن المجتمع لم يكن يومًا بناءً طبيعيًا فقط، بل كان بناءً رمزيًا وروحيًا أيضًا، فالمجتمع هو ذاكرة الأمهات وحنين الأطفال، وهو الوعي الجماعي الذي يحفظ الإنسان من السقوط في حيوانيته الأولى. وكلما حاول الإنسان الانفصال عن الآخرين باسم الحرية الفردية، عاد ليكتشف أن الحرية لا تكتمل إلا في التشارك. قال مارتن بوبر: “في البدء كانت العلاقة”، أي أن الإنسان لا يوجد إلا في مواجهة “أنت”، لا في انعزال “أنا”.

إقرأ المزيد:  إنّ نغوغي لا يموت: ” آهات ديكولونيالية”

وهكذا يتبيّن أن نشأة المجتمع البشري هي رحلة من الغريزة إلى المعنى، ومن الضرورة إلى القيم. فالمجتمع وُلد من الخوف، لكنه ازدهر بالمحبة؛ بدأ بالعوز، لكنه انتهى إلى الأخلاق. إن الإنسان لم يصبح إنسانًا إلا حين عرف كيف يعيش مع غيره، وكيف يرى في الغير مرآة لذاته، فكما قال أرسطو أيضًا: “من لا يستطيع أن يعيش في مجتمع، أو من لا يحتاج إليه لأنه مكتفٍ بذاته، فهو إما إله أو وحش”.

في الأخير، إنّ تأملنا في أصل الاجتماع البشري هو تأمل في جوهر إنسانيتنا. فكلما توغلنا في الحضارة، عدنا إلى تلك اللحظة الأولى التي التقت فيها الأعين لا لتتصارع، بل لتتعاون. كما أن تلك اللحظة التي أدرك فيها الإنسان أن البقاء لا يكون إلا معًا، وأن الوجود الحق لا يتحقق إلا في صدى الآخر.